رد: هل ينادى الإنسان يوم القيامة باسم أبيه أم باسم أمه ؟
وأما ما يدعى الناس به يوم القيامة فلابائهم ودليل ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إن الغادر يرفع له لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان بن فلان"
وقد بوبه البخاري تحت "ما يدعى الناس بآبائهم" وقال الحافظ ابن حجر: [حديث ابن عمر في الغادر يرفع له لواء لقوله فيه ( غدرة فلان ابن فلان) فتضمن الحديث أنه ينسب إلى أبيه في الموقف الأعظم .
اما عن حديث التلقين
وقد سمع بعض الخطباء يستحب العمل به ، وذكر أن بعض العلماء صححه ، فهل هذا صحيحٌ ؟
الجواب بحول الملك الوهاب : أن حديث التلقين هذا حديثٌ باطلٌ منكرٌ ، وقد أخرجه الطبرانيُّ في (( الكبير )) - كما في (( مجمع الزوائد )) (3/45) - من طريق سعيد بن عبد اللَّه الأودي قال : شهدتُ أبا أمامة وهو في النزع فقال : إذا أنا متُّ فاصنعوا بي كما أمر رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فقال : (( إذا مات أحدٌ من إخوانكم فسويتم التراب على قبره ، فليقم أحدُكم على رأس قبره ، ثم ليقل : يا فلان بن فلانة ، فإنه يسمعه ولا يجيب ، ثم يقولُ : يا فلان بن فلانة ، فإنه يستوي قاعدًا ، ثم يقول : يا فلان بن فلانة ، فإنه يقول : أرشد يرحمك اللَّه ، ولكن لا تشعرون ، فليقل : اذكر ما خرجت عليه من الدنيا : شهادة أن لا إله إلا اللَّه ، وأن محمدًا عبده ورسوله ، وأنك رضيت باللَّه ربًّا ، وبالإسلام دينًا ، وبمحمـدٍ نبيًّا ، وبالقرآن إمامًا ، فإن منكرًا ونكيرًا ، يـأخذ كـــــــــلُّ واحـدٍ منهما بيد صاحبه ويقول : انطلق ، ما نقعد عند مـن قد لُقِّن حجته ، فيكون اللَّه عز وجـــل حجيجُــهُ دونهمــــا )) . فقال رجلٌ : يا رسول اللَّه ، فـــــإن لم يعرف أمَّــه ؟ قال : (( ينسبُهُ إلى حواء عليها السلامُ : يا فلان ابن حـواء )) . قال الهيثميُّ في (( المجمع )) : ( في إسناده جماعةٌ لم أعرفهم ) . وأخرجه الخلعيُّ في (( الفوائد )) ( ق 55/2) - كما في (( الضعيفة )) (599) - وفي إسناده عتبة بن السكن ، وقد تركه الدارقطني . وقال البيهقيُّ : ( واه منسوبٌ إلى الوضع ) هذا مع جهالة جماعة في الإسناد ، وقد تتابعت عبارات أهل العلم في تضعيفه . فقال ابنُ عدي : ( منكر ) . وقال ابنُ الصلاح - كما في (( الأذكار )) ( ص 174) للنووي : ( ليس إسنادُهُ بالقائم ) ، وضعّفه النووي في (( المجموع )) (5/304) ، وفي (( الفتاوى )) ( ص54) . وقال ابن تيمية في (( مجموع الفتاوى )) (24/296) : ( وهو مما لا يحكم بصحته ) . وقال ابنُ القيم في (( زاد المعاد )) (1/523) : ( لا يصح رفعه ) . وقال في (( تهذيب سنن أبي داود )) (13/293) : ( وهذا الحديث متفق على ضعفه ) . وضعّفه العراقي في (( تخريج أحاديث الإحياء )) (4/420) ، والحافظ في (( الفتح )) (10/563) ، وفي (( نتائج الأفكار )) . وقال : ( ضعيف جدًّا ) ، والزركشي في (( اللآلئ المنثورة )) ( ص59) ، والسيوطي في (( الدرر المنتثرة )) ( ص25) ، والصنعاني في (( سبل السلام )) (2/114) ، وقال : ( ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أنه حديث ضعيفٌ والعمل به بدعة ، ولا يغتر بكثرة من يفعله ) . انتهى .
وهذا هو الصواب الذي لا محيد عنه ، وإنما تمسَّك من ذهب إلى العمل به بكلام ابن الصلاح واغتر به النووي ، حيث قال الأول : ( ولكن اعتضد بشواهد وبعمل أهل الشام به قديمًا ) ، وأضاف النووي : ( وقد اتفق علماءُ الحديث وغيرهم على المسامحة في أحاديث الفضائل والترغيب ) . ونقل دعوى الاتفاق في غاية الغرابة ، إذ الخلاف في هذه المسألة مشهورٌ معروف ، ثم من هم أهل الشام الذين عناهم ابن الصلاح إلا العوام الذين لا يعرفون قبيلاً من دبير ! وإذا أردنا أن نحرر المسألة فينبغي أن نحدد معنى (( المسامحة )) ، وما هو مفهومُها ، والذي يتحصل من كلام النقاد أن المسامحة مع الراوي أن لا يكون في الدرجة العليا من الضبط والإتقان ، فنقبل أحاديث ابن إسحاق ، وابن عجلان ، وعبد اللَّه بن محمد بن عقيل ، وأضرابهم ، وحديث هؤلاء حسن عند أكثر المتأخرين ، ثم هؤلاء المتأخرون تسامحوا غاية التسامح في تطبيق قاعدة : (( يعمل بالضعيف في فضائل الأعمال )) ، فصاروا لا يفرقون بين الضعيف وشديد الضعف ؛ لأن كثيرًا منهم لم يكن عنده ذوق المحدثين ولا نقد الحفاظ المبرزين ، فاتسع الخَرْق على الراقع ، وكم من حديثٍ جزم أئمة الحديث وفرسانه ببطلانه أو حكموا بوضعه عمل به هؤلاء المتأخرون بدعوى القاعدة السابقة . ثم إنه مما يدلُّ على نكارة حديث التلقين هذا ما أخرجه البخاري (6/283 و10/563 و12/338 و13/68) ، ومسلم (12/42 و43 بشرح النووي ) ، وغيرهم من حديث ابن عمر مرفوعًا : (( إن الغادر يُرفعُ له لواءٌ يوم القيامة ، يقال : هذه غدرةُ فلان ابن فـــلان )) .
وقد بوَّب البخاري على هذا الحديث بقوله : (( باب ما يُدعى الناسُ بآبائهم )) . وقال ابنُ بطَّال : في هذا الحديث ردٌّ لقول من زعم أنهم لا يدعون يوم القيامة إلا بأمهاتهم سترًا على آبائهم . ويشير ابنُ بطال إلى أولاد الزنى ، إذ لا آباء لهم .
من أقوى الأدلة وأصرحها في المنادة باسم الأب يوم القيامة .
1 - عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ الْغَادِرَ يُرْفَعُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ " .
أخرجه البخاري ، وبوب له : " باب مَا يُدْعَى النَّاسُ بِآبَائِهِمْ " .
وقال الحافظُ ابنُ حجر : " فَتَضَمَّنَ الْحَدِيث أَنَّهُ يُنْسَب إِلَى أَبِيهِ فِي الْمَوْقِف الْأَعْظَم " .
وَقَالَ اِبْن بَطَّال : " فِي هَذَا الْحَدِيث رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ لَا يُدْعَوْنَ يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا بِأُمَّهَاتِهِمْ سَتْرًا عَلَى آبَائِهِمْ ... وَالدُّعَاء بِالْآبَاءِ أَشَدّ فِي التَّعْرِيف وَأَبْلَغ فِي التَّمْيِيز " .ا.هـ.
وقال الإمام ابنُ القيم في " تهذيب السنن " : " وَفِي هَذَا الْحَدِيث : رَدّ عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّ النَّاس يَوْم الْقِيَامَة إِنَّمَا يُدْعَوْنَ بِأُمَّهَاتِهِمْ , لَا آبَائِهِمْ وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه لِذَلِكَ فَقَالَ " بَاب يُدْعَى النَّاس بِآبَائِهِمْ " وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيث نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر ... " .
2 - حديث البراء بن عازب الطويل في صقة خروج الروح : " مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ ؟ فَيَقُولُونَ : " فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ " بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا ... مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ ؟ فَيَقُولُونَ : " فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ " بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا ... " . أخرجهُ الإمام أحمد .
والله تعالى أعلم