

دراسة شبه مفصلة عن العالم الجليل
الشيخ / سعيد النورسى رحمه الله
التقرير النهائي عن جلسات الحلقة الدراسية
حـول
الإدراك الروحي بين التصوف والنورسي
إعداد: د. محمد جكيب
جامعة شعيب الدكالي
الجديدة - المغرب
تاريخ الندوة : تركيا/استانبول 25-7-2005
-------------
شارك في هذه الحلقة الدراسية عدد من الباحثين والدارسين من دول مختلفة. فمن المغرب، شارك الأستاذ الدكتور مصطفى بنحمزة، والأستاذ الدكتور حسن الأمراني، والأستاذ الدكتور فريد الأنصاري. ومن سوريا شارك الأستاذ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، والدكتور محمد توفيق رمضان البوطي، والدكتور أبو الهدى الحسيني. ومن بلغاريا الأستاذ الدكتور تزافيتان ثيوفانوف. ومن استانبول الأستاذ أديب إبراهيم الدباغ، ومن مكة الأستاذ الدكتور عمر الجيلاني. ومن العراق الأستاذ الدكتور محسن عبد الحميد.
وتابع أعمال هذه الحلقة الدراسية ثلة من المهتمين والدارسين والباحثين من تركيا ومن خارجها، وقد أشاد الجميع بحفاوة الاستقبال، ودقة التنظيم، وأهمية موضوع الندوة وعمقه، و تجلى ذلك في التوصيات الصادرة في ختام الحلقة الدراسية.
وفي ما يلي تقرير مفصل عن أهم ما عرفته هذه الندوة المباركة.
افتتحت الجلسة الأولى الافتتاحية بقراءة آيات بينات من الذكر الحكيم، ثم رحب المنظمون بضيوف الحلقة الدراسية و رسائل النور وخدامها، كانت المناسبة سانحة للتذكير بالتعديلات، التي لحقت برنامج الحلقة الحاصلة عن بعض الغيابات غير المنتظرة، ليعلن عن افتتاح الجلسة الأولى، والتي ترأسها الأستاذ الدكتور سعاد يلدرم، وقبل شروع الأستاذ الدكتور سعيد رمضان البوطي في عرض بحثه، طلب مصطفى صونغور تلميذ الأستاذ سعيد النورسي الكلمة فعبر بأسلوبه الرقيق الصادق عن فرحه وسعادته بانكباب الحاضرين على تدارس رسائل النور، وحمد الله على تيسيره للقاء، ثم أشار إلى أن الأستاذ يقول في الرسائل بأن للشمس سبعة أطياف، وهي الأطياف التي ستلمس في نظره من خلال محاضرات الحلقة الدراسية.
ثم تناول الأخ محمد فرنجي تلميذ الأستاذ الكلمة فشكر بدوره الحضور وعبر عن سعادته بما ستأتي به عروض الحلقة من فائدة عامة.
ثم أعلن رئيس الجلسة الأستاذ الدكتور سعاد يلدرم عن انطلاق أعمال الحلقة الدراسية، مذكرا بأهمية موضوع الحلقة الدراسية، وكون الرسائل تفسيرا عصريا للقرآن الكريم، وتفسيرا موضوعيا لأنها تفسر الحقائق الإيمانية، وبكونها في الوقت نفسه تفسيرا عمليا، من زاوية كونها تشخص الصورة القرآنية لما يجب أن يكون عليه الإنسان في الحياة العملية، والرسائل كذلك نور قرآني انتقل صداه إلى مختلف أنحاء العالم. مذكرا بأن الحلقة الدراسية هي من حسنات هذه الرسائل وانتقل بعد ذلك إلى تقديم صاحب العرض الأول وهو الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، موضحا بأنه عالم من العلماء الذين استفاد العالم من علمهم منذ ما يزيد عن خمسين سنة.
عنوان محاضرة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي " الوهج الروحي في حياة الأستاذ سعيد النورسي".
أشار الأستاذ البوطي في البداية إلى أن موضوع التزكية الروحية موضوع له أهميته وخطورته، لأن الدعوة ومجالها في أمس الحاجة إليه أكثر من أي وقت مضى، وأكد بأن أهميته تفرض مناقشته في مؤتمر خاص يحضره العلماء والمهتمون من كل الأنحاء وبمختلف اتجاهاتهم، وألح على أن الموضوع أوسع من أن تستوعبه ورشة عمل واحدة.
وانتقل بعد ذلك إلى بيان أن التصوف أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة رضوان الله عليهم كان مسمى لا اسم له وذلك من خلال ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من سمو روحي تلقاه عن ربه تعالى، ومن خلال تزكيته لصحابته رضوان الله عليهم. فمعاني التصوف كانت متألقة في حياة الصحابة، ولم يكن لهذا العمل الرباني أي مصطلح يميزه، وما لبث أن خلف خلف اهتموا بالعلوم ووضعوا لها مصطلحات، ومن اهتمامهم بقدسية المسمى التصوف وضعوا له مصطلحا هو التصوف، ثم ما لبث الناس أن تركوا المسمى وتعلقوا بالاسم.
ثم انتقل بعد ذلك ليبين بأن النورسي يشكل استثناء لأنه أراد الرجوع بالتصوف إلى ما كان عليه أيام الصحابة رضوان الله عليهم، ولهذا فقد أنكر أن يكون متصوفا، فهو في نظره لم يتنكر للمسمى ولكن تنكر للاسم، فالنورسي في نظره من الذين ذاقوا معنى الفناء عن الذات وعن النفس وأورد فضيلة الشيخ نصا بهذا المعنى، ووقف عنده كثيرا ليبحث عما إذا كان النورسي خالصا في فنائه عن الذات لله أم أن شيئا من حضور النفس كان حاضرا فيما كتب، ثم أورد نصا آخر يتجلى فيه نكران الذات، وكانت القراءة مأثرة إلى درجة أن أجهشت لها عيناه وعيون بعض الحاضرين بالبكاء.
وعلى العموم فحياة النورسي في نظره كانت مظهرا من مظاهر التصوف، فقد كان يريد أن يتجاوز الاسم إلى حقيقة المسمى، في وقت أصبح فيه التصوف مقترنا بالبدع، سواء تعلق الأمر بالاسم أو بالمسمى.
ثم انتقل بعد ذلك لبيان موقف النورسي من ابن عربي ليخلص إلى أن النورسي انتقد فكرته بخصوص وحدة الوجود، لكن دون تكفيره، وذلك من باب حسن ظنه بالناس.
وختم بمناقشة أمور تؤرق باله متعلقة بأمر الدعوة التي تراوح مكانها ولم تعط الثمار المرجوة منها، مشددا على أنه إذا نظرنا إلى حياة النورسي سنجده قضى عمرا طويلا بين السجن والمنفى بعيدا عن تلاميذه ومع ذلك فثمار دعوته أعطت وتعطي أكلها، والسر في ذلك هو الارتقاء الروحي أو الصوفي والعناية بقدسية المسمى لا بالاسم. خاتما بذلك عرضه.
وتدخل رئيس الجلسة فذكر بأهم ما ورد في العرض وخاصة ما اتصل باهتمام النورسي بالتصوف الحقيقي أي بالمسمى لا بالاسم، ثم أعلن عن افتتاح جلسة المناقشة.
كانت أولى المداخلات هي مداخلة الدكتور محسن عبد الحميد حيث وجه الشكر للأستاذ المحاضر على عرضه القيم وثمن ملاحظاته، ثم بين أن روحانية النورسي نابعة من شمولية فهمه لمكونات العالم المادية والروحية، ومن كونه تلميذا للقرآن الكريم وأضاف بأنه لا يمكن القول بأن في القرآن تصوفاً ولا علم كلام بالمعنى المصطلحي، فقد سلم النورسي من الوقوع في البدعة لأنه مزج في تصوره بين القرآن المنظور والقرآن المقروء.
وبخصوص موضوع الحركات الإسلامية والتزكية الروحية ألح على أن العالم الإسلامي عرف حركة تنويرية دفعت بها الظروف التاريخية إلى ساحة الفعل السياسي دون إرادتها ولا رغبتها، الشيء الذي انحرف بها عن دورها الطبيعي في مجال التزكية الروحية، النورسي في نظره فقه خطورة الأمر بخصوص مستقبل الإيمان فترك السياسة، ولكنه في الوقت نفسه أشار إلى جملة من الوقائع التي يمكن عدها مواقف سياسية مرتبطة بحياة النورسي.
أيد الدكتور سعيد رمضان البوطي المتدخل في كل ما قال واعتبر ذلك إضافات لموضوعه. (محسن عبد الحميد يقاطع بقوله إنما هي توضيحات). وألح بخصوص شطحات ابن عربي على إمكانية براءته منها نظرا لأن الباطنية تقولت عليه الكثير ونظرا لأن هناك تطابقا بين ما قاله ومقولات الباطنية. وبخصوص القول بأن الإسماعيلية أو الباطنية شوهت على الأرجح كلام ابن عربي كما جاء في عرض الدكتور سعيد رمضان البوطي فذلك راجع في نظره إلى كثرة استشهادهم به، وتساءل عن الكيفية التي يفسر به كلام ابن عربي؟ وكان الجواب هو كونه كلام مجذوب وهو لم يكن ينكر ما يقوله أثناء الجذبة بعد خروجه منها.
ثم انتقل إلى بيان أن النورسي هو أول من وضع منهجا تربويا متكاملا واستطاع نقل ذلك إلى تلاميذه، وكذلك فعل حسن البنا كما يقول لكن تلاميذه لم يستطيعوا السير على منهجه، أما بخصوص أبو الأعلى المودودي فكان في تصوره قويا في مقارعة العلمانيين وكان قويا في كل ما هو عقلي لكنه أهمل الجانب العاطفي أو الروحي المرتبط بالتزكية الروحية، والمنهج الصحيح هو المنهج الذي يجمع بينهما مع تشديده على عنصر الإخلاص، مؤكدا أن واقع المسلمين مؤسف، مضيفا بأنه حضر على مدى حياته العديد من المؤتمرات ولهذا فكله أمل في أن يعقد مؤتمر واحد يخصص موضوعه للإخلاص لله.
ثم تدخل الدكتور حسن الأمراني فشكر الأستاذ الذي اعتاد على إثارة قضايا دقيقة من مثل ما أثار، وتساءل عما إذا كان قد دُسّ شيء ما على جلال الدين الرومي كما دس على ابن عربي والدافع إلى طرح السؤال هو أن بعض العلماء وضعوا شروحا لشطحاتهم ثم تساءل إلى أي حد يمكن اعتبار نصوصا معينة مدسوسة وكذلك الشروح.
وكان رده مركزا على أنه لا يمكن القول بأن التزوير قد دس على جلال الدين الرومي، كما وقع بالنسبة لابن عربي. ثم أضاف وما يقال بخصوص الحلاج الذي اعتبر بسبب ذلك زنديقا، وما يقال بخصوص الشطحات التي دونت ثم شرحت؟ وأجاب بوجوب القول بما قاله العلماء وهو الجنوح إلى حسن الظن بالناس، ونحرم قراءة كتبهم، وذكر في هذا الشأن بمنهج والده الذي دعا إلى التصوف الصافي وفي الوقت نفسه حرم قراءة كتب ابن عربي، وأضاف أن ما يكفّر هو الكلمات وليس صاحبها.
ثم تدخل الدكتور أبو الهدى الحسيني فلاحظ ملاحظة متصلة بعلاقة الاسم التصوف بالمسمى، وألح على ارتباط الأول بالثاني إذ لا يمكن الحديث عن الأول دون الحديث عن الثاني، ملحا على أن للمصطلح دوره في الدلالة على المقصود بالتصوف، وبخصوص تحريم قراءة كتب الشيخ ابن عربي، فقد أكد بأن الكثير من العلماء انكبوا على قراءة كتبه.
ومن جانب آخر ألح على أن النورسي وإن كان أنكر مفهوم وحدة الوجود فقد تحدث عن ذلك في المثنوي.
وجاء الرد مركزا على أن للتصوف جانبين الأول معرفي مرتبط بما يشكله التصوف من معرفة علمية، والثاني معنوي مرتبط بالحال والذوق، لكن الأول طريق إلى الثاني، لأن التصوف ليس قواعد تحفظ ولكنه ذوق وحالة .
وأضاف بأنه إذا كان في سوريا بعض المشايخ يقرأون ابن عربي فهم يقولون بأنهم لا يفهمون منه شيئا، ويؤكد البوطي بأنه ما كان عليهم أن يفعلوا.
وبخصوص فكرة وحدة الوجود أكد بأن النورسي ينكر وحدة الوجود




1- وكان الحضور بعد الجلسة الأولى على موعد مع الدكتور مصطفى بن حمزة وعرضه المعنون بـ " أهمية روحانية النورسي المتبصرة في عالم متأزم" من خلال أعمال الجلسة الثانية التي ترأسها الدكتور محسن عبد الحميد، الذي رحب في بداية الجلسة بالدكتور مصطفى بن حمزة وذكر بأهمية موضوعه ثم نقل الكلمة إليه فأشار في المقدمة إلى ما يعرفه العالم الإسلامي من مخاض عسير جراء اصطراع العديد من الأفكار الناتجة عن آفاق ثقافية متنوعة تبلغ في تباينها وتنوعها درجة التضارب، وأضاف بأن تماسك الهوية يظل مرتبطا أشد الارتباط بالتدين الذي يمنح الإنسان في نظره رصيدا معرفيا يؤطر توجهه العقدي والمذهبي ويصله بمصدر إنتاج القيم التي تمنح شخصيته خصوصيتها وتوازنها. وأضاف بأنه على الرغم من كون التدين هو فرصة الإنسان الأخيرة للإفلات من حالة الاغتراب فإن التدين نفسه قد أصابه التمزق الأمر الذي جعل الباحث عن التدين في حيرة ممضة تدفع إلى طرح العديد من الأسئلة كالصيغة المثلى للتدين الحق هل هو الذي يستقى من نصوص العلوم الشرعية ويخاصم العقل أم هو الذي يعتمد على تأويل النصوص؟ أم هو الذي يجمع بينهما؟ أم هو الذي يقوم على تهويمات روحية وسبحات وجدانية تقنع باللذة الروحية وتنسحب من حركة التغيير وصنع الحضارة. وأضاف بأنه في إطار هذا الجو المثقل يبرز التصوف مراهنا على جدارته على تحقيق الاستواء الروحي للإنسان، لكن هذا التصوف في نظره قد أصابه ما أصابه من تباين قد يتسع خلال زاوية منفرجة تمتد من تصور التصوف على أنه مجرد زهد وتزكية للنفس إلى أن يصير فلسفة إشراقية ورؤى حلولية اتحادية تعدم الفرد وتلغي وجود الكائنات. ومن هنا يبرز فكر سعيد النورسي ومنهجه على أساس مجموعة من الأسس وهي:
- علمه الواسع بالشريعة وتشبعه بحقائقها وفهمه لأسرارها وإخلاصه في التشبث بها.
- إلزامه نفسه حياة الزهد والتأمل والعبادة .
- نهوضه برسالة التجديد في بلد الزوايا والتكايا.
وكانت هذه العناصر والأسس هي الدعائم التي تقود إلى إمكانية الاستعانة بالتصوف لصد موجة الإلحاد. ولكن التصوف المراد هنا هو التصوف الذي يحرص على الالتزام بأحكام الشريعة ويقاوم البدعة والضلالة، أي التصوف الذي يجعل هدفه هو بناء الإنسان ليكون إيجابيا.
وفي إطار علاقة النورسي بالتصوف بين الدكتور مصطفى بن حمزة أن النورسي كان رجل مرحلة عصيبة مرت منها الأمة وتمكنت فيها القوى المعادية للإسلام من فرض العلمانية وإسقاط الخلافة بأن كان للنورسي نظرة عميقة بخصوصية المرحلة وما تستدعيه من جهد فكري لتمتين علاقة الأمة بدينها وإبقاء علاقتها بالقرآن قائمة ولهذا لم يكن للنورسي في نظره أن يهتم بموضوع جزئي لا يهم الأمة كلها كموضوع التصوف الذي لا يعنى حسب قوله بإثبات الإيمان واستدامته في القلوب بقدر ما يعنى بتحصيل اللذة الوجدانية في قلوب من هم مؤمنون.
ثم انتقل إلى بيان موقف النورسي من التصوف مبرزا أنه كان يؤمن بضرورة الإصلاح وبأن المتتبع لهذا الأمر سيلاحظ بأن النورسي كان يضع نفسه في المكان المناسب له باعتباره عالما من علماء الأمة يتحمل مسؤولية التوجيه والتقويم، ولذلك كان يعتبر المؤسسات الصوفية واقعا لا يمكن الاستهانة به ويجب إصلاحه من الداخل وتقويم أخطائه المخالفة للشريعة، فقد انتقد بعض المقولات الصوفية التي تتعارض مع جوهر الإسلام كموقفه من نظرية وحدة الوجود ووحدة الشهود والاعتقاد المبالغ فيه في الولاية والأولياء. ثم أبرز بأن النورسي قام بما يشبه عملية الحسبة والتوجيه على التصوف كما قام بها عدد من العلماء على مر العصور حتى لقب الشيخ أحمد زروق بمحتسب العلماء والأولياء. ثم انتقل إلى بيان أن النورسي قد وقف طويلا عند العديد من المصطلحات عارضا إياها على مقياس الشريعة ومن هذه المصطلحات وحدة الوجود ووحدة الشهود وحدود الولاية الصوفية وختم الولاية والمعراج الصوفي والديوان الصوفي وثنائية الحقيقة والشريعة، فبخصوص هذه الأخيرة بين النورسي بأن ما يقول به بعض المتصوفة من تمييز بين علوم القلوب أو الحقيقة وعلوم الشريعة معتبرين الأولى علوما حية والثانية علوما ميتة، مجرد وهم وخطإ نشأ عن الجهل بالشريعة، وأضاف بأنه بين بأن السالك في الطريقة يرتفع تدريجيا إلى أعلى المراتب التي ينال فيها ما الشريعة نفسها من حقيقة وسر الطريقة. ثم انتقل إلى بيان موقف النورسي من نظرية وحدة الوجود ويتلخص في كونه يعتبرها من المشارب المهمة عند الصوفية وتعني حصر النظر في واجب الوجود دون غيره وبأن الموجودات ظلال باهتة وزيف لا تستحق أن يطلق عليها صفة الوجود حيال واجب الوجود، وقد رد النورسي ذلك معتبرا إياه مجرد حال ونـزعة ناقصة لكونها مجرد مشرب ولذة والذين يدخلون فيها لا يرغبون في مغادرتها ظانين أنها المرتبة الأخيرة في حين الصراط المستقيم هو طريق الصحابة والتابعين والأصفياء، ثم توجه إلى بيان أن النورسي قد رد على القائلين بوحدة الوجود وبلا موجود إلا هو، وينـزلون الموجودات منـزلة العدم بأن أسماء الله الحسنى لا تجد تجلياتها كاسم الرزاق الذي يظل اعتباريا ما دام اسم الرزاق يستوجب مرزوقا موجودا وإذا كانت الموجودات معدمة فإن معاني هذه الأسماء تتعطل وتصير من غير فائدة. وبخصوص موقف النورسي من ابن عربي بين مصطفى بن حمزة بأن النورسي ينطلق في نظريته من مشرب وحدة الوجود ولخص قوله بكونه لا يخدع ولكن ينخدع وبأنه مهتد ولكن لا يمكنه أن يكون هاديا. وقد ختم عرضه بالإشارة إلى هناك الكثير من القضايا لا يتسع الوقت الحديث فيها. وأعلن رئيس الجلسة بانطلاق جلسة المناقشة بعد أن لخص ما جاء في عرض الدكتور مصطفى بن حمزة.
وأول من تدخل هو الدكتور محمود أبوالهدى الحسيني الذي تساءل عن عبارة جاءت في عرض الأستاذ أبو حمزة وهي عبارة الحلول الذي يلغي وجود الكائنات، ثم تساءل عن علاقة عنوان العرض بما جاء فيه مؤكدا بأنه كان ينتظر ما يمكن للتصوف تقديمه لعالم اليوم، ولكن العرض لم يقدم ذلك، ثم أشار بأن المصطلح الصوفي مرتبط في العمق بحالات حقيقية والمصطلح هو تجسيد لها.
جاء رد مصطفى بن حمزة مؤكدا بأن النورسي انتقد نظرية وحدة الوجود وبين عيوبها وقصورها ملحا في الوقت نفسه على أن تجليات أسماء الله الحسنى تفقد معنى تجليها عندما تكون الموجودات مجرد ظلال باهتة، وأضاف بأنه عندما يقال الحلول والاتحاد فهناك إلغاء للذات، فالذين قالوا بهذه النظرية نظروا إلى أنفسهم على أنها معدمة، وبيّن بأن النورسي ردّ فكرة وحدة الوجود وردّها بقوة وقال بأنه كان يقول بأن طريق الصحابة هو الطريق المستقيم، وأضاف بأن الموجودات ليست خيالا كما يدعي البعض.
ومن الأمور التي شدد عليها فكرة الولاية وبيّن بأن طريق الولاية هو طريق الإيمان والتقوى، وانتقد في الإطار نفسه ما وصل إليه البعض من القول بأفضلية الولي على النبي.
وأشار كذلك إلى أنه وقف من المصطلحات الصوفية موقفا وسطا يؤيد التصوف فيما وافق الشريعة ويرفضه فيما عارضه.
وتدخل رئيس الجلسة الدكتور محسن عبد الحميد واقترح بناء على ما قدمه مصطفى بن حمزة تنظيم ندوة تخصص لفكر ووعي النورسي، ثم أكد بأنه استفاد كثيرا من فكره في العراق. ثم وضع سؤالا لماذا لم يُغرق نورُ النبوة قلوبَ المنافقين أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتناول الدكتور سعيد رمضان البوطي الرد على هذا السؤال وقال لقد حجب قلوب المنافقين عن الإيمان استكبارُهم. ثم أضاف بأن الله قد متع الأنبياء وكل الرسل بما تستلزمه النبوة وهو الولاية، وأشار بأن المفاهيم الصوفية هي مفاهيم تعبر عن حالات معيشة حقا ودعا إلى ضرورة الاهتمام بالمفاهيم ملحا على ضرورة توضيحها وتبسيطها لكل من يريد التعامل معها.
وتدخل الدكتور مصطفى بن حمزة في معرض التعليق على العلاقة بين الشريعة والحقيقة وألح على أن النورسي يقول بأن الوصول إلى الحقيقة لا يكون إلا بوساطة الشريعة، لأنها هي التي تبين طبيعة الحكم قضاء كان أم دينيا، وأكد بأن تراجع العلماء عن التقعيد للعلاقة بينهما قد فتح الباب للقول بشريعة جديدة وهو ما يشكل في تصوره خطرا يتهدد التدين وما جاء إلحاحه على منهج النورسي بضرورة خضوع التزكية الروحية للضوابط الشرعية.
وكانت هناك تداخلات أخرى ألح بعضها على أن التصوف الحقيقي هو التصوف الذي يحافظ على الشرع في منهجه وألحت بعضها الأخر على ما يكتسبه منهج التزكية الروحية من أهمية ملحة في بناء المجتمع. وكان الرد مؤيدا لأغلب التداخلات.


2 - وكان الحضور بعد الجلستين الصباحيتين على موعد مع عرض الدكتور فريد الأنصاري، "بديع الزمان من برزخ التصوف إلى معراج القرآن" خلال الجلسة المسائية الأولى التي ترأسها الدكتور سعيد رمضان البوطي الذي افتتح الجلسة بالحديث عن مزايا الندوة مع الإشادة بما يناله المتدخل من وقت في الإلقاء والمناقشة. ثم ذكر بموضوع الدكتور فريد الأنصاري وفتح له المجال لإلقاء عرضه.
افتتح فريد الأنصاري مداخلته بالثناء على فضيلة الأستاذ الدكتور سعيد رمضان البوطي وعبر عن اعتزازه بنيل شرف رئاسته للجلسة. ثم انتقل إلى بيان إلى أهمية ما جاء في عرض الدكتور البوطي في الجلسة الأولى المتصلة بحقيقة التصوف قبل أن يصير مجرد اسم خال من كل دلالة روحية كما كان في الأصل.
وانتقل بعد ذلك للحديث عن حياة النورسي وما تميزت به في حدود علاقتها بالتصوف فبين كيف طلب العلم على يد مشايخ التصوف، مؤكدا بأن الثقافة العامة التي كانت سائدة في زمانه لم تكن في مجملها منفصلة عن التصوف، وقد شدد على أن النورسي لم يسجل قطيعة مع التصوف، ولكنه جدد فيه وسلك فيه مسلكا جديدا دون التنكر له كلية. ثم أضاف بأن التحولات التي عرفها النورسي في حياته كانت تستجيب لعدة اعتبارات منها ما هو ذاتي ومنها ما هو موضوعي، ذلك لأنه عاش العديد من التحولات التي عرفها المجتمع التركي وخاصة تلك التي جعلت من الدين هدفا لرماح الأعداء، يضاف إلى ذلك في تصوره فشل المشايخ في العمل على رد الأمور إلى نصابها بالدروشة تارة وبالقوة تارة أخرى.
وكان للدكتور فريد الأنصاري وقفة تأمل قادته إلى أن حاجة العصر هي التي تحدد طبيعة التصور والتفكير، وأن طبيعة الفترة التاريخية هي التي جعلت النورسي يخرج بمنهج تربوي متوازن. وبين في هذا الإطار بان النورسي أدرك الخطورة التي تحدق بالأمة بعد سقوط الخلافة العثمانية، من هنا كان إلحاحه القوي على أن الزمن لم يعد زمن تصوف ولكنه أصبح زمن إنقاذ الإيمان. ومن هنا مصدر إلحاح الدكتور فريد الأنصاري على كون التصوف فاكهة والإيمان هو الطعام الضروري لحياة الإنسان، لأن الإنسان يدخل الجنة بالإيمان، ولن يدخل الجنة بالتصوف وحده. وقد ألح الأستاذ على أهمية القرآن عند النورسي، ووقف على جملة من المقومات التي تقوم عليها نظرة النورسي إليه في علاقته بالتصوف وهي:
- المعرفة القرآنية ضرورة والمعرفة الصوفية فاكهة.
- المعرفة القرآنية مباشرة والمعرفة الصوفية برزخية.
- المعرفة القرآنية مأمونة والمعرفة الصوفية مغامرة.
وأنهى بذلك عرضه معتذرا عن عدم تمكنه من تقديم ما تبقى من بحثه نظرا لضيق الوقت.
أول من تدخل هو الدكتور محسن عبد الحميد الذي ثمن بشدة ما قدمته مداخلة الدكتور فريد الأنصاري وشدد على كونها أضافت خاصية جديدة عند النورسي وهي خاصية الوعي الإسلامي فقد أدرك النورسي أن الفكر الإسلامي في حاجة إلى دعم روحي يقوم بإنقاذ الإيمان وأشار بأن الأمة اليوم في حاجة ماسة إلى مثل منهجه خاصة في عصر تكالبت فيه القوى الاستعمارية تريد النيل منه، ثم تطرق بعد ذلك لقضية تجليات الأسماء الحسنى مبرزا أن النموذج الوحيد الذي يمكن اعتباره شاهدا على تجليها هو شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، ورسائل النور في نظره جسدت تجليات أسماء الله الحسنى في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأشار في إطار قضية الشيخ والمشيخة إلى أن القرآن لا يمكن أن يتأتى فهمه وإدراك دلالاته العميقة دون السنة النبوية الشريفة، لأن في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ما يفسر جوانب عديدة منه، وألح في الإطار نفسه على أن المعركة هي في الحقيقة معركة هوية فبقدر الاعتناء بالقرآن يكون التوفيق، لأن القرآن هو العنصر الجامع الذي يمكنه توحيد الأمة إذا أدركت أبعاده على الصورة الحقيقية والصحيحة التي أراد الله تبارك وتعالى.
بين الدكتور فريد الأنصاري في رده بأن قضية الشيخ والمشيخة تطرح بين الإفراط والتفريط، فالإسلام بنى القدوة على الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، الاقتداء به هو أفضل الاقتداء، لكن في الوقت نفسه هناك اهتمام بالقرآن. لكن ما يعاب في تصوره هو وجود ما أطلق عليه الوثنية الخفية للشيخ مشيرا إلى أن ما يميز الرسائل وطلبة النور هو عدم الوقوع في ورطة التنظيم الميكانيكي القائم على الاعتقاد في الشيخ وإحلاله مكانة خارقة، معتبرا النظام الذي صار عليه النورسي في تعامله مع طلبته وما نهجه طلبته من بعده نوعا من النظام الفطري.
ثم تدخل الدكتور مصطفى بن حمزة فوقف عند موقع النورسي بين علماء التصوف والدعاة مشددا على إشاراته المتميزة في مجال التوحيد معتبرا إياها مقنعة كإشارة السنبلة وما تتضمنه من أسلوب للحوار، ثم أشار بعد ذلك على شخصية العالم المشارك ليعتبر ذلك تصوفا من نوع خاص فهو على عكس المتصوفة الذين يفرون من الحياة، كان مشاركا في وضع المنهج القادر على بناء الحياة والحضارة.
ثم انتقل بعد ذلك إلى بيان أن المقصود بالروح في قوله تعالى ]ويسألونك عن الروح....[ هو الروح وليس جبريل عليه السلام كما تفضل وبين أحد المتدخلين، وكان ذلك ردا على من قال بأن المقصود بالروح في قوله تعالى هو جبريل.
وتدخل بعده الدكتور محمود أبو الهدى الحسيني فتحدث حديثا طويلا عن فكر النورسي وعلق عليه، ثم أشار إلى عدم تمييز الأستاذ فريد الأنصاري بين الطريقة والتصوف ثم أشار بان التصوف مر بمراحل وألح على أن التصوف الصافي قليل مع كثرة الانحراف الذي لحقه، وألح في الإطار نفسه على أن العودة إلى القرآن تتضمن نوعا من التأصيل والإمام النورسي في نظره استوعب الأدوات التي أهلته للنظر في القرآن، وتطرق بعد ذلك لمشكل المصطلح مشيرا إلى أن المصطلحات الخاصة لا تصلح لعموم الجمهور، الشيء الذي يفرض أن تتم مخاطبة الناس بحسب ما يفهمون دون أن يعني ذلك في نظره التخلي عن المصطلح الصوفي لأنه يعبر عن حالات معينة معيشة.
وقد كان رد الدكتور فريد الأنصاري مقتضبالم يتجاوز التركيز على أن التصوف في الأزمنة المتأخرة قد ارتبط بالطريقة التي غالبا ما تبتعد عن الشريعة وتسقط في مستنقع البدعة.
ثم تدخل الدكتور عبد الله غازيوي (من المغرب) فأكد بأن التصوف بحسب ما جاء في العروض هو اتباع أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع منهج القرآن، مشيرا إلى أن الندوةلم تبرز تباينا في المواقف والتصورات وحث على ضرورة الاعتناء بنشر هذا الفهم لحقيقة التصوف أو لحقيقة المسمى لا الاسم وطلب من الأستاذ المحاضر توضيح مفهوم التصوف فاكهة، معبرا عن تخوفه من أن يكون في الكلام ما يلغي مبدأ القدوة ومتسائلا عما إذالم يكن من اللازم إيجاد أناس لهم قوة ويمكن اعتبارهم قدوة من خلال المنهج القرآني ملحا على أن النورسي من حسنات الرسول صلى الله عليه وسلم ونحن من حسنات هذا الرجل فكيف ننسف القدوة ونجعل الأوراق أستاذا؟
أكد بأنه لم يقل بأن الأستاذ لم يستفد من التصوف، ولكن كانت له شخصية متميزة وأضاف بأنه لا يجب الاعتراض على استفادة الشخص من الآخرين ثم تكون له شخصية خاصة، وأكد بأن لم يلغ القدوة، مؤكدا بأن الرسول هو القدوة الكبرى وقد غير الصحابة لأنهم وجدوا فيه القدوة الصحيحة.
وتدخل بعد ذلك محمد العمراوي (من المغرب) فتحدث في بداية كلامه عن علاقته بالنورسي مبينا بأنه تعرف عليه منذ عشرين سنة وذلك من خلال ما كان يكتب عن الحركة الإسلامية في العالم، واعترف بأنه لم تتشكل رؤية متكاملة عن النورسي وعن رسائل النور إلا من خلال الندوة، واعتبره من المجددين الذين جددوا قولا وتنـزيلا في الواقع، وتساءل عن السر الذي جعل أفكاره تبقى صامدة بعد موته وتنتشر انتشارا واسعا؟ وأجاب عن التساؤل ببيان أن السر كامن في انطلاقه من القرآن، لكون القرآن كلام الله، ثم أضاف بأن النقاش احتدم حول هل كان النورسي صوفيا أم لا، والحقيقة في نظره أنه لم يكن في حاجة على أن يرشف من كؤوس وقد غرق في بحر عميق هو القرآن، ثم أشار بعد ذلك إلى أن طلبة النور يجدون في رسائل النور شيخهم لأنهم يحملونه في قلوبهم.


3 - وبعد استراحة قصيرة كان الحضور على موعد مع الجلسة الرابعة والعرض الرابع للأستاذ أديب إبراهيم الدباغ، من مركز الدراسات الأكاديمية استانبول، وكان عنوانه "النورسي" ما بعد التصوف. وسير الجلسة الدكتور محمد توفيق رمضان البوطي الذي بدأ بتقديم الأستاذ المحاضر وقيمة الندوة وبحوثها ثم نقل الكلمة إليه.
افتتح أديب إبراهيم الدباغ عرضه بالتحية والسلام، ثم ذكر أهم ما تميزت به شخصية النورسي بأسلوب أدبي مؤثر لا يصدر سوى عن صاحب حس مرهف وعمن تذوق عبق القرآن من خلال الرسائل، وقد اعتبر النورسي صاحب وعي ذكي لماح كشعلة نار دائمة الاستعار، واعتبره صاحب فكر ملكوتي يصل بين الله والإنسان، ثم انتقل إلى بيان أن النورسي استلم من القرآن عالما فكريا يوجد فيه ظل من روح الله وظل من سرمديته، ثم تحول إلى بيان العلاقة التي كانت تربط النورسي بالتصوف فبين بأنه قد عرف فعلا التصوف الحقيقي وتأثر به وعرف مشايخه وتأثر بهم، وأكد خروجه من تحت عباءاتهم، لكنه لم يكن في أي وقت من الأوقات تبعا لأحد منهم، فقد خط لنفسه طريقا خاصا به يستمد مقوماتها من القرآن الكريم. وقد كانت هذه آخر فكرة وقف عندها ملخصا عرضه ليفتح بعد ذلك باب المناقشة، وكان الدكتور فريد الأنصاري أول المتدخلين مشيرا إلى أن مداخلة الدباغ كانت شعرا ولذلك اختار أن يكون الرد من الجنس نفسه فأنشد خواطر شعرية وليدة اللحظة والحين في خلل وصفات الشيخ بديع الزمان النورسي.
ثم نقل رئيس الجلسة الكلمة لمحمود أبي الهدى الحسيني الذي أشار إشارة تحمل بعدا نقديا وهي أن حب الأستاذ لا ينبغي أن يجر إلى الإفراط اللغوي لأن لغة الأستاذ تعكس معاني العبدية والافتقار في الوقت الذي عكست فيه لغة الدباغ تناقضا وذلك لان الندوة في نظره لم تأتلف من أجل المدح بل من أجل إيجاد المنهج العملي في الإصلاح، وفي الإطار نفسه وقف على علاقة النورسي بالتصوف ملاحظا بأن العرض قد أنكر أن يكون للتصوف دور ما في منهجه.
وجاء رد الدباغ لبقاً بأسلوبه الهادئ مبرزا بأن القصد هو أن النورسي كانت له شخصية مستقلة بالرغم من كونه خرج من عباءة التصوف وأضاف بأن النورسي هو نسيج وحده وبأنه شخصية متكاملة وبان السر في ذلك راجع في نظره إلى إدراكه لمعاني الإحسان في شبابه.
ثم تدخل الدكتور سعيد رمضان البوطي في إطار علاقة النورسي بالتصوف مبرزا بأن علاقته به كانت قوية ودليله على ذلك حكاية مرتبطة بمراحل حياته الأولى وهي حكاية يرويها عن والده الذي رواها عن زوج أخت سعيد الذي رواها عن أخيه، الذي قال بأن سعيدالم يكن لديه شيء يميزه عن باقي إخوته وأقرانه ثم ورد على الأسرة شخص رث الثياب وانفرد سعيد بخدمته فكان يقتسم معه الطعام ويأكل معه في إناء واحد دون ضجر ولا اشمئزاز ثم غاب الرجل فجأة كأن لم يكن، ثم ظهر على سلوك سعيد تحول ملحوظ فقد صار كثير الحفظ وكثير الصلاة والعبادة. وأضاف رمضان البوطي بأنه أورد الحكاية للدلالة على أن في حياة النورسي أمور غير عادية تدل على أن للتصوف في حياته دوراً عميقاً.
وتناول الدباغ الرد فقال إذا كان واقع الإجماع على كون القرآن والتصوف منطلقا بالنسبة لمنهج النورسي فإنه لابد من الإشارة إلى ما وقع في التصوف من انحراف.
ثم تدخل الأستاذ علي من سراييفو في البوسنة فذكر جملة من الآيات والأحاديث، ثم ذكر أنه بعد الحرب أصبح الحديث في البوسنة مركزا على الأسلوب الصوفي وعما إذا كان الإنسان صافيا وبين بأن المقصود من ذلك هو ألا يكون الإنسان تابع أي أن يكون صافيا لله تابعا، ثم أشار إلى أن أغلب مشايخ الصوفية يلحون على ضرورة التتلمذ على القرآن الكريم، وأكد بأن النورسي وإن كان يركز على القرآن الكريم منطلقا فهو لم يهمل المقدمات.
وتدخل إبراهيم الدباغ الذي ألح على أن ضرورة فتح القلب على مصراعيه بغرض الوصول إلى الطريق الذي يمكن من تجاوز مآزق العالم، وألح على ضرورة النقد الذاتي، لأن التصوف وصل في نظره إلى حالة مزرية وأصبح من الضروري العمل على إخراجه من الوضع الذي آل إليه فالبحث عن الأشكال الصافية أصبح ضرورة ملحة.
ثم تدخل الأستاذ الزين من مكة المكرمة فبين بأن ما قدم في الندوة لم يسمع به من قبل، وأكد بأن النورسي لم يكن يذم التصوف وما قام به هو فقط إظهار لعيوب الطرق الصوفية التي كانت سائدة في وقته.
وطلب أبو الهدى الحسيني التدخل ليتوقف عند ما أشير إليه بخصوص الوضع المزري الذي وصل إليه التصوف مبرزا بأن التصوف الحقيقي القائم على التزكية الروحية وعلى بناء النفس، وعلى القرآن والسنة هو الأصل وأن ما آل إليه التصوف بفعل البدعة تصوف غير مقبول، وألح على ضرورة التمييز بين الطريقة والتصوف ثم تحول إلى علاقة التصوف - باعتباره فعلا روحيا - بالعقل معتبرا إياه مجرد فرع في مجال التصوف، ومعتبرا بأن محاكمة التصوف من خلال العقل لا يجدي نفعا، وأضاف بأن ما يجب الاهتمام به فعلا هو تأثيره في حماية المجتمع ودوره فيه وأكد بأن عصر النورسي كان عصر التحولات الكبيرة وبأن غاية منهجه كانت هي العمل على إعادة الناس إلى المنهج الشمولي الذي يستحضر جميع جوانب الإسلام.
وانتقلت الكلمة بعد ذلك إلى الدكتور مصطفى بن حمزة الذي أشار إلى أن السؤال المطروح متعلق بشخصية النورسي هل هي صوفية أم ليست كذلك؟ ثم أشار إلى أنه من الخطإ تجزيئ هذه الشخصية إلى شخصية صوفية وشخصية غير صوفية معتبرا إياه عالما ككل العلماء لأن الشخصية الروحية تبق شخصية مستبصرة بمنهج القرآن الكريم.
ووقف في الإطار نفسه على ملاحظة متصلة بمنهج التأليف عند النورسي الذي لا يضع لما يكتب أبوابا وفصولا معروفة على صورة ما يفعله العلماء على مر العصور لكنه في الوقت نفسه فعل ذلك بأسلوب خاص ومتفرد قائم على الحوار. ثم انتقل إلى بيان ما تتمتع به شخصية النورسي من كونها شخصية مشاركة وغير منسحبة من مواجهة الحياة وملحا على مواجهة النورسي للأزمة، وشدد في الإطار نفسه على أن الناس عندما يتحدثون في الغالب عن التصوف يتحدثون عنه باعتباره سبيلا من سبل الهروب من مواجهة الأزمات والنورسي لم يكن في تصوره عالما عاديا ولا متصوفا عاديا.
ثم طلب الدكتور محسن عبد الحميد الكلمة فشكر المحاضر على ما قدم من أفكار وأكد بأن العرض أضاف جديدا متصلا بوعي النورسي بحقيقة الإسلام واستيعابه لحقيقة العصر وأكد بأن النورسي ألهم فهما عميقا للحقيقة الإسلامية وعلة ذلك في نظره عائد إلى إدراكه بأن هناك قصورا في استيعاب الفكر الإسلامي، فقد لاحظ بأن الله شاء إعطاء أسمائه الحسنى شمولية برزت تجلياتها في الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن هذه الشمولية تبعثرت بعد عهد الصحابة رضوان الله عليهم والنورسي عمل على جمع مكونات هذه الشمولية وهو أول من قام بذلك في نظره وأشار بأن قد يقال بأن الغزالي فعل ذلك، وأشار كذلك بأن ما كان النورسي يرغب فيه من خلال جمع عناصرها هو مواجهة مراكز الصراع التي عرض للعالم الإسلامي.
ثم تدخل أحد المستمعين فبين بأن غرض النورسي لم يكن هو جمع مريدين حوله ولكن غرضه انسحب إلى بناء خطاب تجديدي لكافة الناس فالعصر لم يكن عصر الطريقة الصوفية وإنما عصر إنقاذ الإيمان وكان النورسي ينكر أن يتملك الرسائل ويعتبرها مجرد نور قرآني يخرج من خلاله، ولذلك لم يستأثر بها لنفسه وحده، لقد كان نظره منصبا على الأمة وكان ينظر إليها من خلال القرآن، وختم بأن النورسي تجاوز التصوف تجاوز المحتضن لا تجاوز الملغي.
ثم تدخل آخر فأشار إلى أن النورسي كان يغذي نفسه بالتصوف، وتمكن في الوقت نفسه من خلق خطاب حواري خاص، ثم أكد بأنه لو كان بعض مشايخ التصوف على قيد الحياة لما وسعهم إلا اتباع منهج النورسي القائم على إبراز الحقائق الإيمانية، بفعل تتلمذه على المنهج القرآني وأضاف بأن البرزخ المعرفي محدد وفاصل نفسي لكنه عندما يكون عبر البرزخ الصوفي يحصل التكامل وذلك لأن الحقائق الروحية تتلقي في حالة اليقظة لا في حالة السكر. وبعد هذه الكلمات أعلن رئيس الجلسة عن الجلسة الرابعة ونهاية اليوم الأول من أعمال الحلقة الدراسية.


4 - كان الحضور في اليوم الثاني من الحلقة على موعد مع مجموعة من العروض والبحوث. وكان بحث الدكتور محمد توفيق رمضان البوطي "التصوف وأثره في شخصية بديع الزمان النورسي" أول هذه العروض.
قدم رئيس الجلسة الدكتور مصطفى بن حمزة في البداية الأستاذ المحاضر على أنه جامعي من جامعة دمشق في سوريا وبأن له عدة كتب منشورة ثم نقل إليه الكلمة فأشار إلى أن طرح مسألة التصوف في هذه المرحلة من حياة الأمة له ما يبرره وله دلالته لأن الأمة مطالبة في نظره بمراجعة نفسها وبإعادة النظر في مناهج الدعوة والتربية، ثم انتقل بعد ذلك إلى بيان أن التصوف يوجد بين تيارين في التعامل معه فهناك من يرى بأنه دخيل ولذلك وجب إلغاؤه في حين يرى تيار آخر بأنه ضروري في تكوين الشخصية وتزكية النفس والرقي بها. والتصوف يرتكز عنده على هدفين أساسيين:
- تعميق الحقيقة الإيمانية القائمة على توحيد الله سبحانه وتعالى.
- تزكية النفوس والسمو بها إلى معارج التقى والصفاء .
ثم انتقل بعد ذلك إلى بيان موقف النورسي من كل ما أشار إليه فبين أن فهمه لحقيقة التصوف كانت عميقة بينها في تسع تلويحات في كتابه أنوار الحقيقة ووقف خاصة عند التلويح الثاني الذي خصصه النورسي للحديث عن حقيقة الطرق والولاية وحقيقة الذكر وأهميته في الحياة الدنيا وخصص الثالث للحديث عما يطلق عليه أهل التصوف الحقيقة والشريعة معتبرا إياهما متكاملين.
ثم فتح باب المناقشة وكان أول المتدخلين هو الدكتور سعاد يلدرم الذي تقدم ببعض التوضيحات بخصوص خلق الأكوان محيلا على ما كتبه النورسي في الكلمات، ثم أشار بأن الألوسي في تفسيره عندما يفسر دائما يشير بقوله "وهذا يعرفه أهل المعرفة". ثم تدخل رئيس الجلسة فأشار بأن الندوة قد عرفت إطلاق العديد من المصطلحات التي تحتاج إلى الدراسة والتدقيق وإلى أن تسجل، ليبرز من خلال هذه الملاحظة توصية مهمة من توصيات الحلقة الدراسية وهي توصية الاهتمام بكل المصطلحات المرتبطة بمجال التصوف وبالتزكية الروحية. وشدد على ضرورة توظيف وإطلاق مصطلحات واضحة المعنى وسهلة الفهم بغرض جعل تعاليم الإسلام سهلة التناول.
وقد كان رد المحاضر مؤيدا للاقتراح ثم أضاف بأن الأستاذ سمى نفسه من أهل الطريقة والحقيقة والشريعة، وبخصوص المصطلح تساءل عن الأسباب التي تجعل الناس ينتقدون المصطلح الصوفي ويطالبون بتبسيطه ولا يطلبون ذلك من علم النحو مثلا، وأكد في الإطار نفسه بأنه من أنصار إشاعة المصطلح القرآني ومن أنصار مخاطبة الناس بما يفهمون.
ثم تدخل الدكتور حسن الأمراني فتقدم بالشكر للمحاضر ثم أشار بأن المنهج مسألة اجتهادية وبين في معرض استدلال المحاضر على منهج الطريقة وكون النورسي من القائلين بها، أن المحاضر حشر من درر النورسي أشياء كثيرة لإثبات ذلك فكان في تصوره كمن يريد إدخال الجمل في سم الخياط، ثم تساءل عن صفة حالة الرقي وحالة التدلي.
وكان الرد معللا لما لم تدرك أبعاده بضيق الوقت وبكون هذه الملتقيات لا تسمح بمناقشة الدقائق والتفريعات، ثم أشار بأن علاقة النورسي بالطريقة ليست علاقة متوهمة بل هي علاقة موجودة ولكنه اتخذ لها منهجا خاصا. وأما بخصوص مفهوم الترقي والتدلي فبين بأنه مصطلح صوفي يعني التفكر في ذات الله وفي وجوده ثم التدلي أي النـزول لرؤية ذلك في الوجود و في الكائنات.
ثم تدخل سعيد رمضان البوطي في إطار قضية المصطلح وخاصة ما تعلق بمفهومي الترقي والتدلي الواردين في العرض فأشار بأن المصطلح الصوفي مرتبط بالتعبير عن حالة موجودة وهي الحالة التي ينتقل فيها من الأكوان ليستدل بها على وجود الله تعالى من خلال كل ما يحيط بالإنسان. وأكد بأن الحالة هي ليست حالة وهمية بل هي حالة موجودة.
وتدخل الدكتور فريد الأنصاري فأشاد بالعرض وثمنه وشدد على حسن انتقاء النصوص المستشهد بها فقد قدم في نظره رسائل النور على أسلوب معين وهو الطريقة وإن كان النورسي في نظره يكثر من ذكر مصطلح شريعة أكثر من ذكره لمصطلح الحقيقة أو الطريقة ثم تساءل في خلاصة هذه الملاحظة عما إذا كان النورسي يتبع الطريقة، ثم أشار بأن الواقع يثبت غير ذلك وشدد على أنه يمكن إيجاد كل ما يراد عند النورسي من خلال الرسائل فمن يقرأه بنظرة عقلية يجد ما يدل على أن النورسي كان عقلانيا وما ذلك إلا دليل على شمولية الرجل، ثم ألح على ضرورة الاهتمام بالمصطلح ثم انتقل إلى الحديث عن العلم الحضوري عند المناطقة الذين يستعملونه في مقابل العلم الحصولي، فالأول مرتبط بما يجده الإنسان في نفسه حاضرا كالجوع، في مقابل العلم الحصولي الذي يحصله الإنسان.
وجاء الرد من حيث انتهى الدكتور فريد الأنصاري فأشار إلى أن مفهوم العلم الحضوري هو كذلك من مصطلحات التصوف ويحيل على مقام المراقبة وأضاف بأن مفهوم الظلال الباهتة التي جرى ذكرها قد وردت عند النورسي في معرض الحديث عن وحدة الوجود وأكد بأن إدراكه لا يكون إلا لخاصة الخواص. ثم أشار إلى أن التحلية تفرض عنصرا سابقا هو التخلية وأكد بأن مقصوده بالعلم هو العلم الوهبي وأحال في الإطار نفسه على ما قصه سعيد رمضان البوطي عن النورسي مع الغريب فأشار بأن فيها علما وهبياً.