كان سفيان بن عيينة يقول في تفسير هذا الحديث: (أي من لم يتغن بالقرآن)، فقال الشافعي: (ليس هو هكذا،
لو كان هكذا لقال: يتغانا، إنما هو يتحزن ويترنم به، وويقرؤه حدرا وتحزينا) وكان أبو عبيد القاسم بن سلام اللغوى المحدث يرى مثل رأى سفيان اين عيينة، وكان يحتج ببيت الأعشى: وكنت امرأ زمنا بالعراق عفيف المناخ طويل التغني وكان يحتج أيضا بقول عبيد الله بن معاوية ضمن أبيات:
كلانا غنى عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشد تغانيا وكذلك احتج بأقوال أخرى منسوبه إلى ابن مسعود، وإلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو عبيد: (ولو كان معناه الترجيح لعظمت المحنة علينا بذلك، إذ كان من لم يرجع القرآن فليس منه عليه السلام) وقد ناقش المرتضى - في أماليه - ما قبل في تفسير ذلك
الحديث، وانتهى إلى أن التغني هنا ليس التحنين والترجيع، وانما هو على هذا الوجه: من لم يقم على القرآن فلا يتجاوزه إلى غيره، ولا يتعداه إلى سواه، ويتخذه مغنى ومنزلا ومقاما فليس منا وكذلك ناتش ابن قيم الجوزيه هذا التفسير، فروى أن ابن بطال قال: (...وقالت طائفة: التغني بالقران هو تحسين الصوت، والترجيح بقراءته، والتغنى بما شاء من الاصوات واللحون، وأن هذا قول بن المبارك والنصرابن شميل وأورد ابن القيم عمربن الخطاب كان يقول لأبى موسى الأشعري: ذكرنا ربنا فيقرأ أبو موسى ويتلاحن وينقل ابن القيم قول ابن جرير : الدليل على أن معنى الحديث تحسين الصوت والغناء المعقول الذى هو تحرين القارئ سامع قراءته، كما أن الغنا، المعقول الذى يطرب سامعه ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أذن الله لشئ ما أذن لنبى حسن الترنم بالقران، وفى رواية:
(لم يأذن الله...)
ومعنى قوله: (يأذن): يستمع له، يقال: أذنت للشئ، آذن، أذنا، إذا استمعت له قال الشاعر: صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا قال عدى بن زيد العبادي: أيها القلب، تعلل بددن ان همى في سماع وأذن والأذان السماع قالوا: ومعقول عند ذوى الحجمى أن الترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه المترنم وطرب به
قال الطبري: (وهذا الحديث من أبين البيان أن ذلك كما قلنا، قال: ولو كان كما قال ابن عيينة يعنى يستغنى به عن غيره لم يكن لذكر حسن الصوت والجهربه معنى والمعروف في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذى هو حسن الصوت بالترجيع.
قال الشاعر: تغن بالشعر إذا ما كنت قائله إن الغناء لهذا الشعر مضمار وأما إدعا الزاعم أن (تغنيت) بمعنى (استغنيت)
فاش في كلام العرب، فلم نعلم أحدا قال به من أهل العلم بكلام العرب..الخ ويقول الطيرى: فإن وجه بوجه التغني بالقرآن إلى هذا المعنى على بعده من مفهوم كلام العرب كانت المصيية في خطئه في ذلك أعظم، لأنه يوجب من تأويله أن يكون الله تعالى ذكره لم يأذن لنبيه أن يستغنى بالقرآن، وإنما أذن له أن يظهر من نفسه لنفسه خلاف ما هو به من الحال، وهذا لا يخفى فساده وقال: إن الاستغناء عن الناس بالقرآن من المحال أن يوصف أحد أنه يؤذن له فيه أو لا يؤذن، الا أن يكون الأذن عند ابن عيينة بمعنى الأذن الذى هو اطلاق وإباحة، وإن كان كذالك فهو غلط من وجهين:
(أحدهما) من اللغة و (الثاني) من إحالة المعنى عن وجهه...الخ
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تعلموا القرآن وغنوابه واكتبوه...الخ (لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن للصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينتة) ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في أبى موسى الأشعري: (لو رأيتنى وأنا أسمع قراءتك البارحة! لقد أوتيت مزمارا من مزامير داود)، ورد أبو موسى: (لو عملت أنك تسمع لفراءتى لحبرته لك تحبيرا) وفي ترجمة أبى موسى هذا، يقول ابن حجر العسقلاني: (...أحد قضاة الأمة الأربعة، وجامع العلم فما أوسعه! المفرد بحسن للصوت، إذا قرأ كان مزمار من مزامير آل داود معه)
وفى (تذكرة الحفاظ)، قال عنه الذهبي: (...إليه المنتهى في حسن الصوت بالقرآن)، ونقل عن ابن الهندي: (ما سمعت طنبورا ولا صنجا ولا مزمارا أحسن من صوت أبى موسن الأشعري، كان يصلى بنا فنود أنه قرأ البقرة ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (زينوا القرآن بأصواتكم ويقول: (لكل شئ حلية، وإن حلية القرآن الصوت الحسن)
وعن عائشة، قالت: استبطأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقال: ما حسبك؟ قلت: إن في المسجد لأحسن من سمعت صوته بالقرآن فأخذ رداءه وخرج يسمعه، فإذا هو سالم مولى أبى حذيفة فقال: الحمد لله الذى جعل في أمتى مثلك وعن قتادة: ما بعث الله نبيا قط إلا بعثه حسن الوجه، حسن الصوت، حتى بعث نبيكم صلى الله عليه وسلم حسن الوجه حسن الصوت...الخ
هذا ما اوردته باختصار وان شاء الله يفيدكم