هذا مقال غايه في الروعه والجمال منقول من جريدة الأخبار في العدد خميس, 03/09/2009بمناسبة شهر رمضان المعظم
وهاهي نفحات الأيمان تعود من جديد بقدوم العشرالأوائل من زي الحجه لتعيد الى الروح حياتها وتعلقها بربها من جديد فلنجتهد فيها بالصيام والقيام عسى ان نكون من الفائزين بهذه النفحات الربانيه ولم أجد مناسبه أحسن من هذه الأيام لأقدم لكم هذا المقال عن هذا القارئ العظيم الذي حرك القلوب وهز المشاعر وخشعت لماسمعت صوته الجوارج
محمد صدّيق المنشاوي... كثّفوا التكبير واستنجِدوا بالآيات
ولد في صعيد مصر في عائلة أتقنت حفظ القرآن وتجويده. صار «مقرئ الجمهورية العربية المتحدة»، وتحوّل ظاهرة لم يشهد لها العالم العربي مثيلاً، بدءاً من حنكته في الانتقال من مقام إلى آخر... وصولاً إلى زخرفاته التطريبية. رمضان مناسبة للعودة إلى هذا المقرئ الأسطورة
بشير صفير
يُروى أنّ ضابطاً كبيراً في الجيش اللبناني ترك جنوداً كانوا برفقته في مهمة عسكرية، وتوجّه إلى أحد المنازل متتبِّعاً صوت تجويد كان يصدر منه. وعندما بلغ المَصدر، سأل الضابط صاحب الذائقة الموسيقية النادرة عن اسم المُقرئ، فأتاه الجواب: الشيخ محمد صدّيق المنشاوي. في هذه الحالة، لا تنفع سلطة العسكر. لكن الضابط ــــ وهو في الفنّ أعلى مرتبةً من رتبته العسكرية ــــ استخدم سلطة شغفه بالموسيقى والأصوات الجميلة، فألقى القبض على الشريط المسجَّل، واقتاده إلى سيارته العسكرية، حيث استمع إلى تجويد المنشاوي لـ«سورة يوسف» وقصار السوَر، فأدى له التحية متمتماً في سرّه: «أمرك سيدنا».
هذه الرواية الحقيقية، قد تدعم الهدف من هذه الإضاءة أكثر من التحليل الموسيقي الجاف والكلام عن المقامات التي كان يستخدمها الشيخ المنشاوي في التجويد، وحنكته في الانتقال من مقام إلى آخر، وزخرفاته التطريبية. التفسيرات العلمية، مفيدة جداً للموسيقيين دون سواهم (مَن قال إن الموسيقيين أكثر حبّاً بالموسيقى من غيرهم!). والهدف هو: من له أذنان سامعتان، فليسمع المنشاوي، مهما كان دينه أو قناعته الفلسفيّة والفكريّة.
لا مناسبة اليوم للكلام عن الشيخ محمد صدّيق المنشاوي (1920 ــــ 1969)، سوى شهر رمضان. مع ذلك، لا نبالغ في القول إن هذا المقرئ الأسطورة يستأهل التذكير به كل يوم، من دون سبب، ولا مناسبة، بل بدافع تقدير الموهبة الموسيقية التي ردّت الجميل إلى خالقها من خلال إطراب مخلوقاته.
ولد الشيخ محمد صدّيق المنشاوي في صعيد مصر، وهو من عائلة أتقنت حفظ القرآن وتجويده. شقيقه محمود المنشاوي (1943)، ووالده صدّيق السيّد وعمه أحمد السيّد وهم من المقرئين المعروفين. بدأ محمد بحفظ القرآن في الرابعة من عمره وختمه قبل بلوغه الثامنة. بعد الحفظ، درس أصول القراءة مع الشيخ محمود السيِّد الذي أعجِب بصوت الفتى الصغير وموهبته، فراح يقدمه في سهرات التجويد. «مقرئ الجمهورية العربية المتحدة»، كما كان يُلقَّب، راح يغذي ثقافته من خلال الاستماع عبر الراديو إلى كبار المقرئين المصريين المعاصرين، وتأثر تحديداً بالشيخ محمد رفعت.
كان الشيخ المنشاوي متواضعاً، قريباً من المساكين، ومؤمناً، سخَّر موهبته لنشر رسالة القرآن بعيداً عن أضواء الشهرة التجارية. ووَرَد في إحدى سيره الشخصية أنه كان يلبي دعوات الرؤساء لتلاوة القرآن، لكنّه لم يكن يفعل ذلك من باب الطاعة. والدليل أنّه في أحد الأيام بعث الرئيس جمال عبد الناصر بأحد وزرائه لدعوة المنشاوي إلى إحدى المناسبات، فجرى بين الرجلين هذا الحديث: «ألا يكون لك الشرف حين تقرأ بين يدي الرئيس؟». أجاب المنشاوي: «ولِمَ لا يكون هذا الشرف لعبد الناصر نفسه أن يستمع إلى القرآن بصوت المنشاوي؟». ورفض الدعوة.
التواضع الذي تمتع به الشيخ المنشاوي، قابله كبرياء الكبار وعزّة نفسهم. وهذا إن دلّ على شيء، فعلى الثقة بالنفس وعلى تقديم سلطة الإبداع وعظمته على أي سلطة. وقد تقدّم تلك الشخصية غير المتزلفة تفسيراً أساسيّاً لعدم تكريمه من الحكومة المصرية، فيما نال أعلى الأوسمة في العالم العربي والإسلامي، من إندونيسيا إلى سوريا.
لا يختلف اثنان على قيمة الشيخ أحمد صديق المنشاوي. علماً بأنّ الكثير من المقرئين أبدعوا تجاويد وتراتيل خالدة، ونذكر منهم الشيوخ عبد الباسط عبد الصمد (1927 ــــ 1988) وأحمد نعينع ومحمد عمران ومحمد سليم، وغيرهم. لكل مقرئ أسلوبه في التجويد أو الترتيل. ولكل منهم ميزات خاصة أو مشتركة مع الآخرين. لكن المنشاوي اجتمعت في موهبته كل العناصر الجمالية والموسيقية التي جعلت منه شخصية استثنائية في التجويد، قد لا نشهد مثيلاً لها بعده: يستهل القراءة على طبقة منخفضة، ويعلو تدريجاً ليصل إلى ما لا تتوقعه أذن. وعندما يعود فجأة إلى تلاوة جهورية، قُلّ «الله أكبر» مسبقاً أثناء مساحة الصمت الفاصلة. فما سيلي الاتكاء على الطبقة المنخفضة، لن يكون بشرياً. وإذا قطع النفس محْدِثاً فراغاً قاتلاً في توقفه عند الهمزة أو حرف «القاف»، فكثِّفْ التكبير واستنجِدْ بالآيات.
جمعت موهبته كل العناصر الجمالية والموسيقية، فجعلته شخصية استثنائية في عالم التجويد
يصل المنشاوي في تجويده إلى الأوج، ويسقط ثم يعود إلى أوجٍ ثانٍ فثالث ورابع... ثم يثبت في ما بقي من السورة (أو ما تيسَّر منها)، مجوداً بسلام يريح المستمع لكن يبقيه حذراً حتى الثواني الأخيرة قبيل أن يختم صلاته بـ«صدق الله العظيم».
يُنصح بأي تسجيل للشيخ محمد صدّيق المنشاوي، علماً بأنها نادرة نسبياً، ومعظمها رديء التسجيل. لكن هذا المقرئ الذي أبدع في كل السوَر، تخطى نفسه أحياناً، وتحديداً في قراءة ما تيسَّر من «سورة المؤمنون» التي تحوي أنغاماً تُخجِلُ مطربي الزمن التعيس.
أصيب المنشاوي بداء دوالي المريء عام 1966، فنصحه الأطباء بالتوقف عن التجويد كي لا يرهق حنجرته. لكن الشيخ لم يمتثل للنصائح، بل أكمل الرسالة قبل أن يرحل وهو في عزّ عطائه، عام 1969، تاركاً فراغاً لا يخفف من وطأته سوى ما وفّره التسجيل لنا من ذبذبات صوت السماوات على الأرض