2*
الحمدلله الذي أمر بحسن الحوار والوفاق ، ونهى أن يجعل الاختلاف السائغ في الآراء سبيلا للافتراق والشقاق ، وغرس في قلوب المؤمنين لين الجانب وعظيم الأخلاق .
أيها الإخوة والأخوات
إن المتأمل في كثير من مشكلاتنا عند وقوعها ، وصعوبة حلها بعد حدوثها ، يجده راجعا إلى فقد شيء مهم في التعامل فيما بيننا ، ألا وهو فقد الحوار ، وعدم الاعتراف بالرأي الآخر ، نعم !
الحوار والجدال بالتي هي أحسن ، الذي يكون سببا بإذن الله تعالى لمعرفة المشكلة ، ثم حلها ، أو تلافي وقوعها أصلا .
الحوار الذي بات شبه مفقود في تعاملاتنا ، شعوبا وساسة ، علماء ومثقفين ، أفرادا وأزواجا ، أسرا وأقارب ، حتى بات منطق فرعون (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)غافر29.
منهجا للكثير منا في تعامله وتحاوره ولله در القائل :
الرأي كالليل مسودا جوانبه والليل لا ينجلي إلا بإصباح
فاضمم مصابيح آراء الرجال إلى مصباح رأيك تزدد ضوء مصباح
إن الحوار منهج شرعي ، وأدب إسلامي ، حق لكل صاحب رأي موفق أو مخالف ، ومن يرفض الحوار ولا يطبقه يخالف السنن الربانية ، فالاختلاف في آراء الناس أمر طبيعي مادام منضبطا بالأدب والخلق و الحكمة ، يقول الله تبارك وتعالى : ( ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) "هود118-119"
والحوار هو الطريق الأمثل للوصول إلى الحق وقد كانت وصية الله لنبيه صلى الله عليه وسلم (وجادلهم بالتي هي أحسن)"النحل 125" .
وقد سار على هذا النهج المتين خلفاء الأمة وعلماؤها المصلحون ، فحين قدم على أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رجلان من الخوارج ، منكرين لرجم الزاني وحرمة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها ، زاعمين أنه لم يرد ذلك في كتاب الله تعالى، فحاورهما أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز رحمه الله وجادلهما بالتي هي أحسن حتى انقادوا للحق راغبين فكان مما قال لهما : كم فرض الله عليكما من الصلاة ؟ قالا : خمس صلوات في اليوم والليلة ، وسألهما عن عدد ركعاتها فأخبراه بذلك ، وسألهما عن مقدار الزكاة ونصبها ، فأخبراه ، فقال : هل تجدان ذلك في كتاب الله ؟ قالا : لانجده في كتاب الله ، قال فمن أين صرتما إلى ذلك ؟ قالا : فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون بعده ، قال عمر : فكذلك هذا .
أحبتي في الله :
إن للحوار النافع قواعد مهمة ، وآدابا جمة حتى يؤتي الحوار ثمرته المنشودة ، فمن قواعده :
1/ تحديد أوجه الاتفاق بين الطرفين ثم التعرض لمحل الخلاف حتى يكون لهذا الحوار نتيجة مرجوة عندها ينتهي الحوار .
2/ أن يكون هدف الحوار الوصول إلى الحق ، لا الإثارة ، أو الإعجاب بالنفس ، أو تمضية الوقت ، وما أحسن ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله : (ما ناظرت أحدا إلا ولم أبال بيَّن الله الحق على لساني أو لسانه)
3/ أن نعرف أن هنالك أمورا ثوابت عند المسلمين لاتقبل الاختلاف والتنازل ، كأمهات الشرائع وأصول العقائد مما ثبت بها النصوص وأجمع عليه المسلمون ، أما ما اختلف فيه العلماء واحتملته النصوص فهو ميدان الحوار، وهو محل إحسان الظن وقبول الاعتذار .
4/ أن آراء الرجال جميعها - سوى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - عرضة للقبول والرد بحسب موافقتها للحق وعدمه . كما قال الإمام مالك رحمه الله :
" ما منا من أحد إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم".
أما عن أدب الحوار والجدال ..
1/إحسان الظن من كلا الطرفين والرحمة والشفقة المتبادلة .كما قال الإمام الشافعي رحمه الله : " ما ناظرت أحدا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان ويكون عليه رعاية من الله وحفظ ".
2/ الإصغاء الحسن للمحاور واستعمال طيب الكلام دون انفعال .
3/ أن لا يمتد اختلاف الرأي إلى القلوب فيفسدها ، قال يونس الصدفي : ما رأيت أعقل من الشافعي ، ناظرته يوما في مسألة ، ثم افترقنا ، ولقيني ، فأخذ بيدي ، ثم قال : " يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانا ، وإن لم نتفق في مسألة " الله أكبر ، ألا ما أعظمه من خلق ! ، وما أكرمه من أدب ينبغي لأهل الإسلام التحلي به .
أخوكم أبوسندس
خطبة الجمعة30/10/2009م