مفتاح دار السلام بتحقيق شهادتي الإسلام
الشيخ/حافظ الحكمي -رحمه الله-
نقلا عن: "دليل دورة الشيخ حافظ الحكمي -رحمه الله- التاسعة لعام 1428هـ" , المطبوع بواسطة المكتب التعاوني لتوعية الجاليات بصامطة - جيزان - المملكة العربية السعودية
الحمد لله الذي نشر على منابر الكائنات أعلام التوحيد , ونكس رايات أهل الشرك والتنديد , وقصم بشدة بطشه كل جبار عنيد , وأيد بنصره وتأييده من أفرده بالتوحيد, وسقى قلوبهم بوابل الكتاب وطل السنة فأثمرت المعتقد الخالص والقول السديد , يعطي ويمنع , ويخفض ويرفع , ويصل ويقطع , وله الحكمة البالغة , والحجة الدامغة , وما ربك بظلام للعبيد , أحمده سبحانه وأشكره , وأتوب إليه وأستغفره , وأسأله لذة النظر إلى وجهه في يوم المزيد , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , المحصي المبدئ المعيد, الفعال لما يريد , تعالى عن أن يكون له شريك في الملك أو ولي من الذل أو صاحبة أو ولد أو والد أو كفؤ أو نديد , وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله سيد الخلق وخاتم الرسل الكرام العبيد , صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه الذين جردوا سيوف الحق لإزهاق كل باطل وإرغام كل كفار عنيد .
أما بعد : فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله , فاتقوا الله عباد الله رحمكم الله , واعلموا أنكم لم تخلقوا عبثا ولا سدى , بل والله خلقكم لأمر عظيم , وخطب جسيم , بينه في محكم تنزيله , وهو الحكيم في خلقه وشرعه الصادق في قيله , ومن أصدق من الله قيلا , وأبين دليلا: )و ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون , ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) فأخبرنا تعالى أنه ما خلقنا إلا لعبادته , والعبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة و الباطنة , وأصل العبادة وقوامها الذي لا قوام لها بدونه هو التوحيد الذي أرسلت به الرسل ونزلت به الكتب ومن أجله أمر بالجهاد , وفرض على كل فرد من الأفراد , ولأجله خلقت الدنيا والآخرة , والجامع له كلمة خفيفة اللفظ واسعة المعنى جليلة القدر, وهو لا إله إلا الله , كلمة الشهادة ومفتاح دار السعادة فهي أصل الدين وأساسه ورأس أمره وساق شجرته وعمود فسطاطه , وبقية الأركان والفرائض متفرعة عنها متشعبة منها مكملات لها مقيدة بالتزام معناها , والعمل بمقتضاها , فهي العروة الوثقى التي قال الله تعالى: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها) الآية , وهي العهد الذي ذكر الله تعالى في قوله: (لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا) , وهي الحسنة التي ذكر الله عز وجل في قوله: (من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون), وهي كلمة الحق التي ذكر الله عز وجل في قوله : (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون), وهي كلمة التقوى التي ذكر الله تعالى في قوله: (وألزمهم كلمة التقوى و كانوا أحق بها وأهلها) , وهي المثل الأعلى الذي ذكر الله تعالى: (وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم) , وهي الحسنى التي ذكر الله عز وجل في قوله فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى), وهي القول الثابت الذي قال الله عز وجل: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) الآيات , وعنها يسأل الله الرسل وأممهم حيث يقول تعالى فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين), فيقول للرسل ماذا أجبتم) ويقول للأمم ماذا أجبتم المرسلين) , وفي الحديث : «لو أن السماوات السبع و الأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله» , ولكنها قد قيدت بقيود ثقال , هي أثقل على من أضله الله من الجبال , وأشق عليه حملها من السلاسل و الأغلال , أما من وفقه الله وهداه , ويسر له سبل النجاة , وجعل هواه تبعا لما جاء به رسوله و مصطفاه , فهي أسهل عليه وألذ لديه من العذب الزلال .
الأول : العلم بمعناها الذي دلت عليه وأرشدت إليه , قال الله تعالى : (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) أي شهدوا بلا إله إلا الله وهم يعلمون بقلوبهم معنى ما نطقوا به بألسنتهم , وفي مسلم عن عثمان رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» فقيدها بالعلم بمعناها وهو نفي العبادة عن كل ما سوى الله عز وجل , وإثباتها لله وحده لا شريك له , أما من هذى بها هذيانا ككلام النائم لا يعلم معناها , فكيف ينفي ما نفت ويثبت ما أثبتت وهو لا يعلم شيئا من ذلك أم كيف يعمل بمقتضى ما لا يعلمه .
الثاني : اليقين بما دلت عليه في الشهادة والغيب , المنافي لمناقضه من الشك و الريب , قال تعالى : (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) , فقصر الإيمان عليهم مع التقيد بكونهم لم يرتابوا أي لم يشكوا , فلا إيمان لمن قالها شاكا مرتابا , و لو قالها بعدد الأنفاس , ولو صرح بها حتى يسمع جميع الناس , وفي مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة» , وفيه من حديثه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه بنعليه فقال : «اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره بالجنة» الحديث , فقيد استحقاق قائلها دخول الجنة وتبشيره بها بكونه غير شاك فيهما , وبكونه مستيقنا بها قلبه , والمعنى في ذلك واحد , فنفي الشك يفيد ثبوت اليقين , وثبوت اليقين يفيد نفي الشك .
الثالث : القبول لها المنافي لرد مدلولها , قال الله تعالى : (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون) والآيات هنا المراد بها القرآن ومعظمه في حق هذه الكلمة , وذكروا ووعظوا , وهم لا يستكبرون أي عن الإيمان بالله وطاعته وذلك هو حقيقة التأله المنفي عن سوى الله بـ˝لا إله˝ المثبت له سبحانه بـ˝إلا الله˝ , ولا رد أعظم من الاستكبار ولهذا قال تعالى في حق من ردها بعد أن ذكر ما وعدهم به من العذاب أنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون , ويقولون : (أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون), فلم يتركوا آلهتهم المنفية بلا إله ولم يقبلوا إثبات إلا الله , فقال تعالى تكذيبا لهم وتصديقا لنبيه صلى الله عليه وسلم بل جاء بالحق وصدق المرسلين) , وفي الصحيح عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «مثل ما بعثني الله به من الدين والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله به الناس فشربوا وسقوا وزرعوا, وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بشر الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدي الله الذي أرسلت به» , فانظر هذا الحديث واعتبر به فهو عبرة لأولي الأبصار فإنك إذا أمعنت النظر فيه رأيته يحتوي على ما لم يتسع له المجلدات الكبار , والمقصود هنا أن المثلين الأولين لمن قبل هدي الله الذي هذه الكلمة أصله وإن كانوا على درجتين متفاوتتين , والمثل الثالث لمن لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبله فلم ينتفع هو ولم ينفع غيره , بل هو ضرر محض على نفسه وعلى غيره .
الرابع : الانقياد لمعناها المنافي لترك العمل بمقتضاها , قال الله تعالى ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى) الآية , يسلم وجهه إلى الله فينقاد ويقبل على طاعته وهو محسن أي موحد , فقد استمسك بالعروة الوثقى أي بلا إله إلا الله , فخرج بذلك من لم يسلم وجهه إلى الله ولم يك محسنا فإنه لم يتمسك بها وهو المعني بقوله تعالى بعد ذلك (ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبؤهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور , نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ) , وفي الأربعين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» فجعل الشرط في الإيمان أن ينقاد لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .
الخامس : إخلاص الدين لله عز وجل المنافي للشرك الذي لا يقبل معه , قال الله تعالى (ألا لله الدين الخالص) , وقال تعالى (فاعبد الله مخلصا له الدين), وقال تعالى (قل الله أعبد مخلصا له ديني) , وقال تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) , وقال تعالى (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين) الآية , فجعل الله تعالى الشرط كونهم مع المؤمنين أن يخلصوا دينهم لله فمن قالها ظاهرا ولم يك مخلصا فليس هو مع المؤمنين بل هو مع المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار , وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار» رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود وجابر وغيرهما , ولما قال له أبو هريرة من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله قال : «من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه» , وهذا مما لا يحتمل التأويل ولا يحتاج إلى تفصيل .
السادس : الصدق المنافي للكذب , وهو أن يتواطأ على ذلك القلب واللسان , قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين), وقال تعالى في كشف ما أضمره المنافقون وهتك أستارهم حيث أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين , يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون , في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون) فزاد الله قلوبهم مرضا وأنها لم تواطئ ألسنتهم فهم أشر من الكفار, ومأواهم الدرك الأسفل من النار, وقد بين الله عز وجل في سورة التوبة كثيرا من فضائحهم بقوله سبحانه وتعالى ومنهم و منهم وكذا في سورة النساء وإذا جاءك المنافقون وغيرها يشهد سبحانه أنهم لكاذبون , وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار»متفق عليه , وفي حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن أركان الإسلام التي أعظمها هذه الكلمة لما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قال : هل علي غيرها؟ قال : لا , إلا أن تطوع , قال : والله لا أزيد عليها ولا أنقص , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أفلح إن صدق», فاشترط في فلاحه أن يكون صادقا فخرج بذلك الكاذب المنافق فإنه لا فلاح له أبدا بل له الخيبة والردى عياذا بالله من ذلك .
السابع : المحبة , وهو أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما و أن يحب في الله ويبغض في الله ويوالي في الله ويعادي في الله , قال تعالى والذين آمنوا أشد حبا لله) , وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) الآية , وقال تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) الآية , فوصف الله سبحانه عباده المؤمنين بأنهم أشد حبا وأنهم يحبهم ويحبونه وأنهم لا يوادون من حاد الله ورسوله ولا يتولوهم , قال تعالى ومن يتولهم منكم فإنه منهم , إن الله لا يهدي القوم الظالمين) , وفي الصحيح عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان , أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما , وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله , وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» وفيه أيضا عنه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» .