بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، الهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، انك أنت العليم الحكيم ، الهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما ، وارنا الحق حقا وارزقنا إتباعه ، وارنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، وأخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول شهوات إلى جنات القربات
أيها الإخوة الكرام ، أردت أن تكون هذه القصص في موضوع من اخطر مواضيع الدين ألا وهي التوحيد ، فالدين هو التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد
الآن أريد أن أعطيكم ومضات من توحيد الصحابة مع الفاروق عمر ( رضي الله عنه)
القصة الاولـــــــى
جاء رسول والي عمر بن الخطاب على أذربيجان ، وصل المدينة في ساعة متأخرة من الليل ،كره أن يطرق باب أمير المؤمنين ، فتوجه إلى المسجد ، سمع رجلا يبكي ، ويقول : يارب ، هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي ، أم رددتها فاعزيها ؟ استغرب ، طبعا هذا الكلام له قصه ، سيدنا عمر كان يسير في أزقة المدينة ، ومعه عبد الرحمن بن عوف ، رأى قافلة في ظاهر المدينة ، فقال لعبد الرحمن بن عوف : تعال نحرس هذه القافلة ،سيدنا عمر سمع طفلا يبكي ، توجه إلى أمه ، وقال : ارضعيه ، فأرضعته ، وتابع البكاء ، فقال : ارضعيه ، فأرضعته ، فتابع البكاء ، فغضب ، وقال : ارضعيه ، قالت له : وما شانك بنا ؟ طبعا لا تعرفه ،إنني افطمه ، قال : ولم ؟ قال : لان عمر لا يعطي العطاء ،التعويض العائلي ، إلا بعد الفطام ، تروي الرواية أن عمر ضرب جبهته ، ويحك يا ابن الخطاب ، كم قتلت من أطفال المسلمين ؟ لأنه أخر العطاء إلى الفطام ، ويحك يا ابن الخطاب ، كم قتلت من أطفال المسلمين ؟ فذهب إلى المسجد ، وبكى بكاء شديدا ، وقال : يارب ، هل قبلت توبتي فأهنئها ، أم رددتها فأعزيها ؟هذا السفير الرسول من أذربيجان ما عرف هذا الإنسان ، قال له : من أنت يرحمك الله ؟ قال : أنا عمر ، هو خجل أن يطرق باب أمير المؤمنين ليلا ، فذهب إلى المسجد فراه يبكي في المسجد ، قال : يا أمير المؤمنين ، ألا تنام الليل ؟ قال إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي ، وان نمت نهاري أضعت رعيتي ، قال له أتحب أن تأكل معنا ، أم أن تآكل مع فقراء المسلمين (يعيش عند كسرى ، طعام الملك شيء نفيس جدا) قال : بل عندكم ، فلما دخل إلى بيته ، قال : يا أم المؤمنين ما عندكم من طعام ؟ قالت : والله ما عندنا إلا ملح وخبز ، بينما فقراء المسلمين يأكلون اللحم ، قال : هاته لنا ، فجاءته بالملح والخبز ، أكل فشبع ، وشرب فارتوى ، فقال : الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا ، وسقانا فأروانا (( خليفة المسلمين . مرة ترك أكل اللحم في سنين المجاعة ، فقرقر بطنه ، فخاطبه ، وقال : قرقر أيها البطن ، أو لا تقرقر ، فو الله لن تذوقي اللحم حتى يشبع منه صبيه المسلمين )) فالنتيجة سيدنا عمر لما ضرب جبهته وقال : ويحك يا ابن الخطاب ، كم قتلت من أطفال المسلمين ؟ ذهب إلى المسجد , وأعطى أمرا أن يكون العطاء بعد الولادة لا بعد الفطام .
هذا هو التوحيد ، لذلك سيدنا الصديق أوصى أن يكون الخليفة بعده عمر ، فجاءه وفد إليه ،وخوفه من الله ، كيف تولي علينا عمر ، وشديد مخيف ؟ فغضب ، وقال : أتخوفونني بالله ،لو إن الله سألني لم وليت عليهم عمر ؟ أقول :يارب وليت عليهم ارحمهم ، هذا علمي به ، فإذا بدل وغير فلا علم لي بالغيب ، فلما خطب سيدنا عمر قال : كنت خادم رسول الله وسيفه المسلول وجلواذه ، وتوفي عنه وهو عني راض ، وانا بهذا اسعد ، والحمد لله رب العلمين ، ثم جاء أبو يكر ، فكنت خادمه وسيفه المسلول وجلواذه ، فكان يغمدني إذا شاء وتوفي عني وهو راض ، الحمد لله على هذا كثيرا ، وأنا به اسعد ، قال: ثم آلت الأمور إلي ، اعلموا أيها الناس ، إن تلك الشدة قد أضعفت ، وإنما تكون على أهل البغي والكفر ، أما أهل التقوى والصلاح فانا ألين لهم من أنفسهم ، وسأضع راسي على الأرض ليطئوه بإقدامهم ، أيها الناس خصال خمس خذوني بها ، أي حاسبوني عليها ، لكم علي لا اخذ من احد أموالكم شيئا إلا بحقه ، وألا أنفقه إلا بحقه ، ولكم علي ألا أجمرك بالبعوث ، يعني أرسلك إلى الجهاد فوق أربعه أشهر ، لك أولاد ، لك زوجه ، وإذا غبتم في البعوث فانا أبو العيال حتى ترجعوا ، ولكم علي أن أزيد عطاياكم إن شاء الله تعالى .
القصةالثانيـــــــة
جاءت رسالة من وال إلى الخليفة عمر تقول يا أمير المؤمنين ، إن أناسا قد اغتصبوا مالا ليس لهم ، ولست اقدر على استخراجه منهم ، إلا إن أمسهم بالعذاب ، فان أذنت لي فعلت ، اسمع جواب عمر ، قال : ويحك أتستأذني في تعذيب بشر ، وهل أنا حصن لك من عذاب الله ؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله ؟ أقم عليهم البينة ، معك مستمسكات ، معك أدله ، معك وثائق ، فان قامت فخذهم بالبينة ، فان لم تقم فادعوهم إلى الإقرار ، فان اقروا كان بها ، وان لم يقروا فادعوهم إلى حلف اليمين ، فان حلفوا فأطلق سراحهم ، وايمُ الله ، لان يلقوا الله بخيانتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم .
...رأى واليا فقال له : ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ قال له : اقطع يده ، قال للوالي: إذاً ، إن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك ، إن الله قد استخلفنا عنهم لنسد جوعهم ، ونستر عورتهم ، ونوفر لهم حرفتهم ، فان وفرنا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها ، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل ، فان لم تجد في الطاعة عملا التمست في المعصية أعمالا ، فاشغلها بالطاعة قبل أن تنشغل بالمعصية .
القصةالثالثـــــــة
سيدنا عمر وهو يخطب قطع الخطبة ، وقال ((يا ابن الخطاب ، كنت راعيا ترعى الإبل على قراريط لأهل مكة )) وتابع الخطبة ، ليس هناك علاقة أبدا . أحيانا بعض المحطات الإذاعية تقطع البث ، ويستبدلونها بدعاية ليس لها علاقة بالمضمون إطلاقا ، ثم يعود المضمون ، ما فهم الصحابة ذلك ، فلما انتهت خطبته سألوه ، فقال ((جاءتني نفسي فحدثتني انه ليس بينك وبين الله احد ، فأردت أن اعرفها قدرها (( كنت راعيا أرعى الإبل على قراريط لأهل مكة )).
لذلك أيها الإخوة ، الدين الحقيقي توحيد ، الدين الحقيقي إلا ترى مع الله أحدا ، وإلا ترى نفسك أيضا ، وإلا ترى عملك ، إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك ، لذلك في أي عمل تقدم عليه ينبغي أن تقول : اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي ، والتجأت إلى حولك وقوتك ، يا ذا القوة المتين ، هذا هو التوحيد ، إلا ترى مع الله أحدا ، ألا تحابي أحدا ، لذلك قال تعالى : (( الذين يبلغون رسالات الله و يخشونه ولا يخشون أحدا الا الله ))
أيها الإخوة صدقوني ،ولا أبالغ : إن لم تكن موحدا فلا جودى من إيمانك إطلاقا ، إن لم تر إن يد الله تعمل وحدها ، وان الله بيده كل شيء ، واليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه فلست موحدا
جاء خطيب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال له :
(( ماشاء الله وما شئت ، قال : بئس الخطيب جعلتني لله ندا ، ماشاء الله كان وما لم يشاء لم يكن ))
أيها الإخوة الكرام ، المسلمون اليوم في أمس الحاجة إلى التوحيد ، في أمس الحاجة إلى أن يؤمنوا أن الأمر بيد الله ، لا بيد أعدائهم ، وان الله لا يتخلى عنهم ، وان مصيبة المصائب أن يشعروا باليأس والإحباط ، ومصيبة المصائب ألا يثقوا بوعد الله ، قال تعالى :
((وعد الله الذين امنوا منكم ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني ))
ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد واله وصحبه أجمعين