رد: الخطبة الشامية المشهورة للإمام النورسي
"الأمــل"
اي: شدة الاعتماد على الرحمة الالهية والثقة بها.
نعم! انه بناء على ما تعلمته من دروس الحياة، يسرّني ان أزفّ اليكم البشرى يامعشر المسلمين، بأنه قد أَزِفَ بزوغ أمارات الفجر الصادق ودنا شروق شمس سعادة عالم الاسلام الدنيوية وبخاصة سعادة العثمانيين، ولاسيما سعادة العرب الذين يتوقّف تقدم العالم الاسلامي ورقيّه على تيقظهم وانتباههم، فانني اعلن بقوة وجزم، بحيث اُسمع الدنيا كلها وأنفُ اليأس والقنوط راغم 1:
ان المستقبل سيكون للاسلام، وللاسلام وحده. وان الحكم لن يكون إلاّ لحقائق القرآن والايمان. لذا فعلينا الرضى بالقدر الالهي وبما قسّمه الله لنا؛ إذ لنا مستقبل زاهر، وللأجانب ماضٍ مشوش مختلط.
فهذه دعواي، لي عليها براهين عدة، سأذكر واحداً ونصفاً فقط منها، بعد ان أمهّد لها ببعض المقدمات.
__________________
1 لقد اخبر»سعيد القديم« باحساس مسبق منذخمسة واربعين عاماً بأن العالم الاسلامي - وفي مقدمته الدول العربية - سينجو من سيطرة الاجانب وتحكمهم، وسيشكلون دولاً اسلامية سنة،1371 ولم يفكر آنذاك في الحربين العالميتين ولا في الاستبداد المطلق الذي دام ما يقارب اربعين عاماً، فبشّر بما كان سنة 1371 وكأنه 1327 دون أن يأخذ سبب التأخير بنظر الاعتبار. المؤلف.
صيقل الإسلام/الخطبة الشامية - ص: 493
أما المقدمات فهي:
ان حقائق الاسلام تمتاز باستعدادها، استعداداً كاملاً لدفع اهلها الى مراقي التقدم المادي والمعنوي معاً.أما أنه مستعد للرقي المعنوي:
فاعلموا! ان التاريخ الذي يسجل الوقائع الحقيقية، اصدق شاهد على حقيقة الأحداث؛ فها هو التاريخ يرينا أن القائد الياباني الذي هزم الروس يدلي بالشهادة الاتية في صدد عظمة الاسلام وحقانيته: "انه بنسبة قوة الحقائق الاسلامية وبنسبة التزام المسلمين تلك الحقائق، يزدادون رقياً وتقدماً، هكذا يرينا التاريخ. ويرينا إيضاً انه بقدر ضعف تمسكهم بتلك الحقائق يصابون بالتوحش والتخلف والاضمحلال والوقوع في ألوان من الهرج والمرج والاضطرابات. ويُغلَبون على أمرهم". أما سائر الاديان الاخرى فالامر فيها على عكس الاسلام، أي: بقدر ضعف تمسّك اتباعها وضعف تعصبهم وصلابتهم في دينهم يزدادون رقياً وتقدماً، وعلى قدر تعصبهم وتمسكهم بدينهم يتعرّضون للانحطاط والاضطرابات.
هذا هو حكم التاريخ.. وهكذا مرّ الزمانُ الى الآن.
وما ارانا التاريخ قط منذ خير القرون والعصر السعيد الى الآن أن مسلماً قد ترك دينه مرجّحاً عليه - بالمحاكمة العقلية والدليل اليقيني - ديناً آخر، على حين ان كثيراً من اتباع الاديان الاخرى - حتى المتعصبين منهم، كالروس القدامى والانكليز - قد رجّحوا بالمحاكمة والدليل العقلي دين الاسلام على أديانهم فدخلوا في الاسلام. ولاعبرة هنا بتقليد العوام الذي لايستند الى دليل، كما لاعبرة بالمروق عن الدين والخروج على حقائقه، فهذه مسألة اخرى. علماً أن التاريخ يفيدنا بأن عدد من يدينون بالاسلام - بالمحاكمة العقلية - جماعات وافواجاً يزداد يوماً بعد يوم 1.
_____________________
1 والدليل على هذه الدعوى هو، انه مع قيام حربين عالميتين رهيبتين، وظهور استبداد مطلق قاسٍ نجد أنه بعد خمس واربعين سنة:
1 - قبول بعض الدول الصغيرة كالسويد والنرويج وفنلندا تدريس القرآن في مدارسها، وقبولها له ليكون سداً منيعاً امام الشيوعية والالحاد.
2 - قيام عدد من الخطباء الانكليز المشهورين باقناع الانكليز وحملهم على قبول القرآن.
3 - موالاة اكبر دول المعمورة في الوقت الحاضر- وهي امريكا - لحقائق الدين بكل قواها، واعترافها بأن آسيا وافريقيا ستجدان السعادة والأمن والسلام في ظل الاسلام. فضلاً عن تعاطفها مع دول اسلامية حديثة الولادة ومحاولتها الاتفاق معها.. كل ذلك يثبت صدق هذه الدعوى التي قيلت قبل خمس واربعين سنة، وشاهد قوي عليها.المؤلف.
صيقل الإسلام/الخطبة الشامية - ص: 494
ولو اننا أظهرنا بأفعالنا وسلوكنا مكارم اخلاق الاسلام وكمال حقائق الايمان، لدخل اتباع الاديان الاخرى في الاسلام جماعات وأفواجاً. بل لربما رضخت دول العالم وقاراته للاسلام.
ان البشرية التي اخذت تصحو وتتيقّظ بنتائج العلوم والفنون الحديثة، ادركت كنه الانسانية وماهيتها، وتيقّنت انه لا يمكنها ان تعيش هملاً بغير دين، بل حتى اشد الناس إلحاداً وتنكراً للدين مضطر الى أن يلجأ الى الدين في آخر المطاف؛ لأن:
"نقطة استناد" البشر عند مهاجمة المصائب والاعداء من الخارج والداخل، مع عجزه وقلّة حيلته، وكذا "نقطة استمداده" لآماله غير المحدودة الممتدة الى الأبد مع فقره وفاقته، ليس الاّ "معرفة الصانع" والايمان به والتصديق بالآخرة، فلا سبيل للبشرية المتيقّظة الى الخلاص من غفوتها سوى الاقرار بكل ذلك.
ومالم يوجد في صَدَفة القلب جوهر الدين الحق، فسوف تقوم قيامات مادية ومعنوية على رأس البشر، وسيكون اشقى الحيوانات وأذلّها.