وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
هذة مذكرات كروان القراء الشيخ / ابو العينين شعيشع حفظه الله
ممكن التثبيت
مذكرات شيخ القراء أبوالعينين شعيشع الحزين ملك الصبا... آخر جيل العمالقة
الأهرام المسائي ينشرحصريا قصة الشيخ شعيشع وحكايات مع القرآن ممتدة لــ70 عاما الشيخ يحكي فيسيرته علاقاته بكبار الشيوخ وأم كلثوم وعبد الوهاب
انه الأخير من جيل عمالقة قارئي القرآن, شيخ القراء ونقيبهم أبو العينين شعيشع, الوحيد الباقي من الجيل الذهبي لقراء الذكر الحكيم, رافق أسماء كبيرة من شيوخ القراء بداية من محمد رفعت ومنصور بدار الدمنهوري, وعبد الفتاح الشعشاعي ومحمود علي البنا وعبد الباسط عبد الصمد وصديق المنشاوي ومصطفي إسماعيل الذي انتهينا أمس من نشر مذكراته حصريا علي الأهرام المسائي... لنبدأ معكم في نشر مذكرات الشيخ أبو العينين شعيشع حصريا أيضا بعد أن سجلنا معه عدة ساعات وحكي فيها تفاصيل حياته ونشأته باعتباره أحد أهم قراء القرآن في دولة التلاوة لنتعرف معه علي السر المصري الذي أخرج الأصوات القرآنية, بعد أن تفرد هذا البلد في تلاوة القرآن منحة الهية لم تعط لسائر بلاد المسلمين إلا لمصر فخرجت منها أجمل التجاويد لكتاب الله.
ونجد شيخ القراء شعيشع يضع لنا تفسيرا غريبا في تفسير تفرد صوت القراء المصريين ربط بينه وبين البيئة والهواء والأكل في تفسير تميز مصر في التلاوة... ولكنه يضع لنا علامات خطر وتحذير من ضياع جودة القراءة في ظل انعدام هذه العوامل.. مذكرات الشيخ شعيشع تتناول سيرة الشيوخ الأولي وحكاياته معهم واعتماده كقاريء للإذاعة وعمره17 عاما, وأيضا ذكرياته في الليالي القرآنية في مصر وخارج مصر مع القرآن, ويصف حفاوة كل بلاد المسلمين بتلاوة المصريين... في المذكرات أيضا جزء مهم عن علاقته بكوكب الشرق أم كلثوم, ومحمد عبد الوهاب والشيخ محمد رفعت. وتتناول المذكرات علاقته بثورة يوليو خاصة أنه حضر اجتماعا للضباط الأحرار بل الثورة, ولكنه لم يكن يعرف بطبيعة التنظيم, وأسرارا أخري عديدة في حياة الشيخ أبو العينين شعيشع,
ويبدأ معنا في الحلقة الأولي الحديث عن نشأته, وسر الصوت الحزين في قراءته لأن متخصصي القراءات يدعون الشيخ أبو العينين شعيشع ملك الصبا وهو المقام الموسيقي الذي يحوي الشجن في مقامات النغم... ويربط الشيخ أبو العينين شعيشع ذلك بحادث وفاة والده عندما كان طفلا صغيرا في التاسعة من عمره واثر ذلك علي نفسه.. فأكتسي صوته بالحزن, وهو ما يشرحه لنا من خلال مذكراته التي سنوالي نشرها في حلقات مع أيام شهر رمضان.
بداية الحكاية
أنا ولدت في مدينة بيلا في محافظة كفر الشيخ في عام1922 وكنت الطفل الثاني عشر لاسرتي, ولذلك لم يكن مرغوبا في وجودي فأمي أنجبت قبلي11 طفلا, ورغم أن الأمور كانت تسمح وقتها بأن تعول الاسرة مثل هذا العدد من الأولاد, وفإن أمي الله يرحمها حاولت أن تتخلص مني وأنا جنين في بطنها, ولكن مشيئة الله أرادت أن أعيش. وفشلت أمي فيما كانت تنوية رغم أنها حاولت عدة مرات أن تسقط حملها بي ولكني كنت متمسكا بالحياة... ولم أترك رحمها إلا في الشهر التاسع وأنا طفل مكتمل لدرجة أن السيدات اللاتي كن يعملن لها عملية الإجهاض قلن لها الجنين لا يريد أن ينزل وكأنها حكمة الله أن أبقي وأعيش حتي يومنا هذا رغم التربص بي وأنا جنين في رحم أمي, وكانت والدتي وقتها معذورة لأنها مهمومة باحد عشر طفلا آخر غيري من أخوتي الذين كانوا سبع بنات وخمسة اولاد وأنا كنت الأخير, ولكن سبحان الله أنا كنت رزق أخوتي كما سنري فيما بعد.
ورغم أنني كنت جنينا غير مرغوب فعندما نزلت للدنيا وجدت تدليلا من أبي وحنانا لم أجد مثله علي الاطلاق طوال حياتي, فأبي الذي كان يعمل موظفا صغيرا في إدارة الري ببيلا كان يحبني جدا وجعلني احمل أسم والده شعيشع أبوالعينين.. كنت الطفل المدلل للأب والغريب رغم الظروف الصعبة التي كانت عليها اسرتي ولكن أبي كان عنده طموح أن أكمل تعليمي, فالتعليم في وقتنا هذا كان بعيد المنال الا لأبناء الأثرياء, ورغم ظروف أبي لكثرة عدد الأبناء الا أنه أدخلني مدرسة أهلية, ولم أدخل الكتاب مثل باقي الأطفال في الريف في وقتنا بل ألتحقت بالمدرسة الابتدائية وعمري كان وقتها ست سنوات.
وحدث اثناء الدراسة حادث مروع للاسرة فقدنا بسببه أبي... وبقدر ماكانت فاجعة للأسرة جميعا... الا أنها كانت كارثة بالنسبة لي كان عمري تسع سنوات وكان أبي كل شيء لي في هذه الدنيا. دلعني ودللني وكان يحملني علي كتفه ويسير بي في الشوارع وياتي لي بالحلوي..... وأصر علي أن أدخل المدرسة لأتعلم رغم ان الظروف المادية كانت صعبة.. أتذكر واقعة وفاة أبي جيدا. وكانت واقعة فقد أبي برغم ماحملت من آثار سيئة في نفسي وانا طفل فقد أعز واقرب انسان إليه... الا أن الواقعة كانت مفتاح سر في حياتي ومسيرتي مع القرآن أنها مثلت لي الحزن لم أكتشف هذا السر الا فيما بعد. الكل يقولي ان صوتي حزين وكان حزني فيه غموض وكان السر الرئيسي في صوتي الحزين كما أتخيل.
أنه منذ وفاة أبي تغلب الحزن علي رغم أنه رحل وعمري تسع سنوات ومر علي رحيله مايقرب من ثمانين عام ولكن كان أبي كل حياتي وقرة عيني أتذكر ملامحه الآن وهي يحملني علي كتفه.. كان حزن بي علي فقدي له كبيرا. وطبع ذلك الحزن علي لدرجة أن أثر علي صوتي بلون الشجن المعروف عني بالصوت الحزين أعتدت قراءة الصبا وهو مقام حزين في النغم يقسمون المقامات هكذا السيكا للبهجة والصبا للحزن, وتميز صوتي بالشجن ولذلك أطلق علي البعض صوت الصبا. هذا السر في صوتي أراه أرتبط بي منذ وفاة والدي كنت حزينا فأثر ذلك علي إداء صوتي. فأبي كان شيئا أخر وعندما مات شعرت أنني تهت وضاع مني الجانب الحنين في حياتي.
أتذكر واقعة وفاته جيدا عندما مات أبي كنت أبكي عليه بحرقة أغني كلام بصوتي وانا أرثيه بكلمات مثل سايبنا لمين ياأبا وهتعمل أيه من غيرك وجمل أخري من المعتادة في التعديد والحزن ولكن كنت أؤديها بصوتي كالغناء وكان صوتي جميلا وقويا تاثر المعزون به وبكي الناس كلها من التأثر بجمال أداء صوتي ومشهد الطفل الحزين علي والده. ربما كانت هذه الواقعة سر ومفتاح صوتي الحزين لم أكن وقتها أدرك أي شيء ولكني تذكرت فيما بعد تأثير صوتي في الناس الذين حضروا جنازة أبي..
ورغم أني كنت أصغر أخوتي ودون أن أدري وبمشيئة ألهية تحملت مسئولية أسرتي بعد فقد الأب وكان عمري9 سنوات ولكن أفقت علي الوعي بدري وجدت إني مسئول عن أخوتي سبع بنات وخمسة صبيان وكانت حكمه الله عز وجل أن تسخرني لخدمة هذا الجيش من الأخوة كنت رزقهم وكانت أمي تتذكر كيف حاولت أن تتخلص مني وأنا جنين وتقول سبحان الله أردت أن أئد ابالعنيين خوفا من ضيق الدنيا.. ولكن الله أراد أن يبقي عليه ليكون رزق أخوته.
بالطبع لم أبدأ رحلة كفاحي مع أخوتي بعد وفاة أبي مباشرة خاصة أنني كنت مازلت أدرس في المدرسة الأبتدائي ولم أسلك في البداية طريق حفظ القرآن, ولم أدخل الكتاب وحتي الدراسة في المدرسة كان الجزء المخصص للقرآن صغير جدا, وكان طموح الاسرة قبل وفاة والدي ان يتم أعدادي حتي ألتحق بالكلية العسكرية وأصبح ضابط جيش لانني طويل وجسمي جامد.. ولكن بعد وفاة والدي تغير كل شيء بالنسبة لي وطموحاتي في هذا المجال توقفت.
وتحول الطموح بشكل قدري ووجدتني اتجه ناحية القرآن الكريم دون أن أدري وكانت المفارقة أن اول من أكتشف صوتي في تلاوة القرآن الاستاذ منير ناظر المدرسة وكانت مفارقة حقيقية سأحكيها لكم لأنها تكشف معاني جميلة في هذا البلد نكاد نفتقدها الآن...
2- مذكرات شيخ القراء ابوالعينين شعيشع
المكتشف الأول لصوتي القرآني الأستاذ منير جرجس
ناظر المدرسة القبطي أول من شجعني علي التلاوة وطلب من عائلتي تحفيظي القرآن قصة المسيحي والمسلم أمر مستحدث وزمان كنت أسهر رمضان في بيت قبطي أول مرة قرأت في مأتم كبير حدفوني بالطرابيش أجريت اختبارا في الإذاعة وعمري17 عاما يستمر الشيخ ابو العينين شعيشع شيخ القراءالمصريين في سرد مذكراته والتي بدأها معنا امس وروي فيها طفولته الحزينة بعد ان فقد والده وعمره تسع سنوات وكان يدرس في المدرسة حتي يدخل الكلية الحربية ولم يكن في طموح اسرته ان يقرأ القرآن ولم يلتحق بالكتاب وكل ما تعلمه من القرآن اجزاء صغيرة من دروس المدرسة. ويكشف لنا الشيخ ابو العينين شعيشع في حلقة اليوم قصة غريبة في حياته والتي حولت مساره ليأخذ طريقه في قراءة القرآن عندما يتحدث عن ناظر مدرسته والذي كان اول من اكتشف قوة وجمال صوت ابو العينين شعيشع في قراءة القرآن الكريم والمفاجأة ان الناظر اسمه منير جرجس..! واستكمل الشيخ شعيشع مذكراته مدرستنا كانت مدرسة اهلية كنا لا نأخذ الا اجزاء صغيرة فقط من القرآن
ولكني كنت القاريء المعتمد للمدرسة في قراءة القرآن الكريم كل صباح وفي الحفلات ومن المفارقات ان الذي كان اول مكتشف لصوتي ناظر المدرسة وهو الاستاذ منير جرجس نعم مسيحي, ولم يكن ناظر المدرسة فقط بل كانت المدرسة ملكه لانها خاصة وكان يداوم علي استمرار قراءة القرآن وحفظ التلاميذ للقرآن وفي يوم سمعني وانا اقرأ ونادي علي وقال يا ابني انت صوتك جميل لازم تحفظ القرآن. وبعدين حكاية المسيحي والمسلم لم توجد في ايام زمان الاسرة واحدة مسيحية ومسلمة عايشين مع بعض والدليل انني كنت باروح جرجا في احتفال شهر رمضان كنت احيي شهر رمضان في بيت مسيحي وهو فخري عبد النور من اقطاب الوفد وكان يأتي بي بالطائرة من الشام كنت في فلسطين ومرتبطا باذاعة الشرق الادني التابعة للجيش البريطاني وكانت عنده سجادة صلاة في بيته لم ار لها نظيرا في مكان اخر في الدنيا عند مسلم او غيره. واعود بكم لقصة الاستاذ منير جرجس لانه في يوم جاءت للمدرسة مجموعة من أعيان البلد لزيارتها لان لهم ابناء يدرسون بها ولم يكن يدخلها الا ابناء الاعيان وكان غالبيتهم علي صلة قرابة ومعرفة بالعائلة ووالدي لان ابي كان ينتمي لعائلة كبيرة
وتزوج والدتي واستقر في بيلا لوحدة وكان لجدي تسعة اولاد وكان جدي شيخ البلد. وجاء يوم الزيارة ووجدت استاذ منير جرجس ينادي علي وقال لي يا ابو العينين فيه ضيوف جايين لينا النهاردة وانت لازم تقرأ امامهم وكانت من عادة المدرسة انه عندما يأتي ضيوف نقرأ امامهم القرآن وجاء الوفد وقرأت القرآن امامهم ولاحظوا صوتي الحزين, لان الواقعة كانت بعد وفاة والدي وبعدها انطبع الحزن علي صوتي ومازال وهذا ربما يكون سر تأثير صوتي علي الناس لان القرآن تخصه المقولة اذا لم تبكوا فتباكوا وربما حكمة لا اتذكر وانا بكاء بطبعي وعندما سمع الوفد الذي جاء للمدرسة صوتي, قال لهم استاذ منير جرجس الواد ابو العينين صوته جميل لازم يستمر في حفظ القرآن الكريم. وذهب الاستاذ منير مع مجموعة الاعيان لأمي وقالوا لها ابنك ابو العينين لابد ان يحفظ القرآن الكريم حتي يصبح قارئا له شأن في مصر فوافقت أمي وتركت المدرسة وتوجهت للكتاب. وكانت بداية تحول في حياتي
وتركت اثرا جميلا في نفسي لانني كنت غاوي حفظ القرآن الكريم وانا طفل صغير, الأولاد كانوا يروحوا يلعبوا, وانا كنت اذهب للمأتم حتي استمع للقرآن الكريم من الشيوخ لانني كنت مهتما ان اكون قاريء القرآن خاصة ان اخي الكبير احمد شعيشع كان قارئا للقرآن,, ولكنه لم يلاق نفس شهرتي وتفرغ فيما بعد للعمل معي.. وعندما ابلغتني امي بما نقله لها الناس وفي مقدمتهم ناظر المدرسة الاستاذ منير جرجس.. انا فرحت وقلت لها يا امي انا عاوز احفظ القرآن الكريم وحتي اكون قارئا, وأنا كنت أقصد أن أكون قارئا محدودا في البلد والعزب والقري التي حولنا فلم أتخيل نفسي وأنا أقرأ القرآن في أماكن كبيرة في القاهرة أو أصبح شيخا وقارئا في الاذاعة وبعد قرار أمي ذهبت للكتاب لأحفظ القرآن ولم يستغرق معي الامر كله سوي عامين فقط وبدأت وأنا عمري تسع سنوات انتهيت منه حفظا وتجويدا وكل احكام القرآن من الاقصاء والاضراب والغنة والمد والوقف وانا عمري11 عاما..
كل هذا حفظته في سنتين وذلك من حبي في القرآن, والغريب أنا عكس كل من حفظ القرآن في الكتاب لم أضرب علي الطلاق في الكتاب وذلك لسببين لان سيدنا الذي حفظني القران وأسمه يوسف شتا كان يستعين بي لاقرأ أمام الضيوف الذين يأتون له فاتلو عليهم القرآن أما السبب الثاني لعدم ضربه لي أن الشيخ كان يجعلني احمل ابنه ابراهيم وهو صغير. إبراهيم هذا اصبح استاذا في العلوم الشرقية في الجامعة اعتقد في جامعة القاهرة رحمة الله عليه توفي اخيرا. وعشان كده انا لم أضرب من قبل شيخي لانني كنت بأحيي الضيوف واحمل أبنه. وبعد أن حفظت القرآن.. كنت أذهب لأقرأ في المآتم عندنا في البلد وفي القري المجاورة لنا مع شقيقي الأكبر أحمد وكنت أتقاضي أجرا وكنت صغيرا جدا وكانت قراءة القرآن فاتحة خير بالنسبة لي ولأسرتي لاني كنت أصرف علي أخوتي منها, خاصة إنني كنت مرغوبا في القراءة, وكان أول أجر حصلت عليه50 قرشا ووصل أجري أحيانا الي أربعة جنيهات وكنت مازلت وقتها في بلدي بيلا..
وأول مرة أخذ الاجر ده حصلت عليه في مأتم شخصية كبيرة وكان في بلد جنب المحلة منيه شنتا عياش كانت جنازة كبيرة لشقيق صلاح دسوقي وكان محافظ القاهرة وعندما توفي أقاموا له سرادق عزاء كبيرا. وأذكر في هذه الليلة أنني قرأت فابكيت الناس.. ورغم الحزن الشديد لان الفقيد كان شخصية مهمة الا أن المعزين حدفوني بالطرابيش من شدة الاعجاب وانا لم أكن أدرك شيئا. وكان وقتها عام1936 وعمري14 سنة ولم أعرف وقتها أن الحدف بالطرابيش أعجاب وأنا لم أكن أفهم أنهم مبسوطون ولكن عرفت أن حدف الطرابيش عادة للتعبير عن الأنبساط زمان فيما بعد.. والجماعة اللي كانوا يسمعون لعبد الوهاب وأم كلثوم كانوا يحدفونهما بالطرابيش.
وبعد هذه الليلة تشجعت. وقبلها كنت قانعا بالعمل في بيلا والقري المجاورة لها. وكانت بالنسبة لي الدنيا كلها, وكنت حريصا أن أبقي مع أمي حتي أساعدها في تربية أخوتي. ولم يمنع ذلك أن أقرأ في مدن مثل طنطا والمنصورة والمحلة الملاصقة لنا. حتي جاء عام1939 وفي هذا العام كان أحد شيوخ الأزهر وأسمه الشيخ الخضري هذا الرجل كانت له علاقة نسب بعائلتي فطلب مني أعمامي أذهب أعزي معهم في القاهرة وذهبت معهم وكانت أول مرة أدخل القاهرة ولم أكن أتوقع أن أقرأ بها لاني كنت من المعزين كما أن المتوفي قريب لنا وبعد أن دخلت السرادق ووجدت أقاربي بيقولو لي تعال اقرأ ربع قرآن في المأتم وكان المشهد مهيبا وكان السرادق ممتلئا بوزراء ومشايخ وكان أيامها الشيخ الخضري احد الشيوخ الكبار في الازهر ولكن يبدو صغر السن يجعل الانسان لا يدرك مواقف معينة. وأستعددت للقراءة ودخلت علي دكة القراء قبل العصر بشوية وبدأت أقرأ والقراءة كانت بالنسبة لي في هذا اليوم مجاملة لاني كنت قادما للعزاء ولست كقاريء ولم أكن آخذ أجرا..
فأخذت بعض وقرأت في المأتم وانفعل المعزون معي.. وبعد أن أنتهيت وجدت واحدا معمما يرتدي عمة جاء من آخر السرادق يجري بسرعة نحوي وسلم علي وقال أنت منين؟ قلت له من بيلا محافظة كفر الشيخ. فقال لي أنا الشيخ عبدالله عفيفي وكان حاصلا علي لقب الباكوية لانه كان يعمل إماما للملك فاروق وكان زمان يخصص اماما للحضرة الملكية سواء الملك صلي أم لم يصل الامام موجود وخلاص.. وفوجئت بالشيخ عبدالله عفيفي يقول لي أنت لازم تقرأ في الاذاعة يا ابني أنت صوت لا مثيل له. لم أكن مصدقا نفسي وقلت له أقرأ في الاذاعة قال لي نعم. وأخبرني أن أحضر له في اليوم التالي لمكتب سعيد باشا لطفي مدير الاذاعة وقتها وذهبت تاني يوم للإذاعة مع الشيخ عبدالله عفيفي لسعيد باشا لطفي فقال له مين معاك يا شيخ عبدالله وانا كنت وقتها رفيعا جدا وكان عمري17 سنة وكنت نحيفا مثل العصا.. ونادي علي عبدالله بيه عفيفي وقال مخاطبا سعيد باشا لطفي هذا يقرأ القرآن بصوت جميل ولا مثيل لصوته فرد عليه
وقال من يحكم علي صوته لجنة الاصوات في الأذاعة.. وأخذت موعدا تاني يوم من رئيس الإذاعة للمثول أمام اللجنة وقال لي اللجنة سوف تستمع لك بكرة وهي اللي هتحدد صوتك هينفع أم لا. وحضرت للجنة وكان فيها عدد كبير من الممتحنين وكل واحد قرا خمس دقائق ومشي ولكني أنا قعدت ييجي ساعة وزيادة. وبعدها أحضروا المشرف الأنجليزي علي الأذاعة ووجدت الأنجليزي بيعمل أشارة النصر بيده وهو يشير الي لم أكن أفهم مدلول تلك الاشارة وكنت أعتقد أن الرجل ده يتوعد لي وقلت في نفسي الرجل ده عاوز يضربني ولا ايه؟ وأنا كنت صغيرا جدا وقتها ولسه جاي من بيلا ولا أعرف حاجة نهائيا.
3- مذكرات ابو العنينين شعيشع شيخ القراء
احتراف التلاوة في إذاعة فلسطين
لم يكن أمرا عاديا أن يلتحق الشيخ أبو العينين شعيشع كقاريء بالأذاعة وعمره17 عاما وكان الحدث غريبا لان أثناء الأختبار أبهر صوته المشرف الأنجليزي علي الاذاعة لانه كان صوتا جديدا لايتناسب مع عمره وهو مايحكيه لنا اليوم في الجزء الثالث من مذكراته بعد أن رشحه له عبد الله بيه عفيفي الامام الخاص بالملك فاروق وتم اجراء اختبار الإذاعة بعد أن أتفق مع رئيسها سعيد باشا لطفي.
ويكمل معنا الشيخ شعيشع: بعد أن انتهيت في اختبار القراءة وأستمعت اللجنة لصوتي كان المشرف علي الاذاعة الأنجليزي يرفع يده بعلامة النصر ولم أكن إدرك مدلول هذه العلامة وخشيت أن يكون الرجل الأنجليزي يتوعدني ولكني عرفت أنها علامة النصر أو يقول لي أنت كويس. وبعد ذلك جاء سعيد باشا لطفي رئيس الإذاعة وقال نحن مبسوطين منك يا ابني وسوف نتعاقد معك لتبدأ القراءة معنا وسوف نعطيك خمسين قرشا عن كل نصف ساعة تقرأها في الإذاعة وذلك أثناء فترة الاختبار وبعد ذلك سيتم رفع العرض لو حدث قبول لصوتك وسوف نعطيك12 جنيها في الشهر لاني سوف أقرأ ست مرات في الشهر مرة في اسبوع واللي بعده مرتين وهكذا وكان هذا المبلغ يماثل أجر خريج من الشهادةالعليا الحاصل علي ليسانس حقوق في هذه الفترة.
ولكني قلت لعبد الله بيه عفيفي أنا مش عاوز كل ده..أنا عاوز أروح البلد أشوف أمي وحشتني جدا وانا لازم أذهب لها فرد عليا لا يا ابني مستقبلك انت أصغر قاريء يدخل الأذاعة أبعث احضر أمك تعيش معاك واستأجر شقة في القاهرة وكان عبد الله بيه عفيفي رجلا حنونا وكنت أعده في مقام أبي الله يرحمه كان( رجل ذوق) ومحب للخير وبعد أن انتظمت في القراءة بالاذاعة بدأت الدعوات تهل عليا من هنا ومن هناك, وصار لي صيت وشهرة لاني كنت أصغر قاريء للقرآن والناس كانت تتعجب لصوتي, ومنذ ذلك الحين كنت أحيي جميع الحفلات الخاصة بالملك والعائلة المالكة سواء للأميرات أو الأمراء..وكانت الحفلات السنوية للوفاة لكل العائلة العلوية بداية من الخديو عباس واسماعيل والملك فؤاد كل هذه الحفلات كنت أقرأ فيها.
ومع استمراري في القراءة في الأذاعة جاءت لي فرصة أحتراف التلاوة خارج مصر بعد أن طلبتني أذاعة فلسطين وكان اسمها اذاعة الشرف الأدني وهي كانت تابعة للجيش البريطاني في ذلك الوقت وأجروا لي اختبارا قرأت فيه وسجلت وأذيعت قراءاتي وبدأ اسمي ينتشر ليس في مصر وحدها بل في بلاد الشام وتركيا وكان عمري وقتها18 عاما وكانت أذاعة الشرق الأدني مقرها وكانت في مدينة يافا وتدار لصالح الجيش الأنجليزي بعد أن أنشأها وقتها مع بداية الحرب العالمية الثانية ليخاطب بها جمهور العرب في هذه المنطقة سواء في مصر وبلاد الشام والعراق وكان أرسالها يصل لتركيا وطلب مني المشرف علي الأذاعة أن أذهب الي مقرها في يافا وكانت بجوار تل أبيب وكان العرب يعيشون في يافا بينما تل أبيب مدينة اليهود وذلك قبل حرب1948 وكانت المدينتان قبل الحرب ملتصقتين ببعضهما ولما كانوا يأخذوني للفسحة كنت أذهب لتل أبيب أتفرج عليها وكنت أجلس في محلاتها ولم تكن هناك مشكلة بين العرب واليهود ولم يكن يتكلم معي أحد وارجع الي يافا بعد أن أقضي يومي فيها كما أنني كنت أزور القدس وقرأت بها وكنت أول قارئ مصري يقرأ في المسجد الأقصي.
وكانت اذاعة الشرق الأدني بالنسبة لي نقلة مادية ومعنوية فأتفق معي المشرف الانجليزي أن اقرأ لمدة ثلاثة شهور ووقعت عقدا معهم بذلك وكنت أحصل في الشهر علي200 جنيه أسترليني وقتها الجنيه المصري يزيد علي الجنية الاسترليني بخمسة تعريفة2,5 قرش أي قيمة الجنيه الأسترليني وقتها97,5 قرش مصري..ولكني بعد شهر من التحاقي باذاعة الشرق الأدني أتخنقت وطلبت منه أن أعود لمصر لان والدتي وحشتني جدا وانا كنت وقتها صغيرا لم أتجاوز العشرين وطلبت من المدير وكان اسمه مستر برساك وهو ضابط في الجيش الانجليزي ان ارجع لمصر. فرد علي مدير الأذاعة الانجليزي حاضر وكان يقول لي معلوم بالعربي ولكن لا ينفذ.
وأنا زهقت من مماطلة الضابط الأنجليزي وكان لي صديق في يافا اسمه يوسف بيه بامية.. فقال لي أنت متضايق ليه قلت أنا عاوز أروح أشوف والدتي وأخوتي ومدير الإذاعة يماطل معي قال لي يوسف بامية لا تقلق انا هاسفرك وكان علي صلة بمسئولين بإدارة الجوازات لانها اخذت مني الهوية جواز السفر بعد أن وصلت ليافا حرصا منهم علي الا أعود فجأة ولكن يوسف بيه بامية بمعرفته بإدارة الجوازات أحضر لي موافقة بالسفر.. وركبت القطار وكان اسمه الليت وكان يخرج من مصر علي فلسطين علي دمشق علي تركيا ليصل لأوروبا وصلت بالقطار وعدت لأمي وأخوتي لاني رغم صغر سني انا كنت مسئولا عن كوم لحم من أخوتي وانا في البيت فتحت الراديو علي إذاعة الشرق الادني ووجدت الراديو يذيع نحن الأن في انتظار القارئ أبو العينين شعيشع وكل فترة ينوهون في الراديو, ولكن بعد فترة وجدتهم يعتذرون للمستمعين بإن الشيخ شعيشع ربما أصابه مكروه لانه لم يأت حتي الان وانا كنت في مصر انا قعدت في البيت قلت الحمد لله أنا لن أعود لهم مرة أخري ولكن بعد أسبوع وجدت الباب يخبط وفتحت ووجدت مستر فرساك الانجليزي داخلا علي في البيت بالعباسية لاني كنت أستأجرت شقة فيها لأعيش فيها مع أمي وبعض أخوتي وبعد أن دخل المنزل بدأ يقول لي انت هربت ليه يا شيخ أبو العينين تركتنا ومشيت دون أن تخبرني.. فرديت عليه يا مستر فرساك كذا مرة طلبت منك أن أرجع لمصر أشوف أمي وأخوتي وانت تقول لي معلوم ولا تفعل شيئا فانا وجدت فرصة فهربت.. فقال لي لا يا شيخ أبو العينين أنت لازم ترجع تاني وفي أي وقت عاوز ترجع براحتك لأنك نجم أذاعة الشرق الأدني والمستمعون يريدون أن يستمعوا اليك فكان الناس يحتفلون بي بشكل غريب وطلب مني مستر فرساك أن يتغذي معي حتي يصبح عيش وملح ليضمن عودتي مرة أخري وقال لي أنا عاوز آكل ملوخية عندك النهاردة والدتي كانت بتبطخ كويس في الحقيقة وعملت له الملوخية بالأرانب وأكل وكأنه واحد من الفلاحين عندنا في البلد ويأكل ملوخية بالعيش ويقول لي الملوخية دي عدوة العيش لانها بتحتاج عيش كثيرا.. وبعدها رجعت تاني معه ولكنني كنت أذهب واعود بين القاهرة ويافا كنت أبقي معهم لمدة ثلاثة شهور في السنة أسجل وباقي السنة أرجع لمصر.
وبقيت مع أذاعة الشرق الادني لمدة عام حتي جاء1941 ولم أكن قد أستقررت في القاهرة وفي يوم وأنا في البلد وجدت شاويش النقطة عندنا في البلد داخل علي البيت ومعه تلات أربع عساكر فقلت خير جايين ليه دول.. فقال لي الشاويش وكان صعيديا ودمه خفيف انت الشيخ أبو العينين قلت نعم.. وقال يعني أن الشاويش عبد البر بيبحث عنك في الدنيا كلها وانت مختفي هنا يا شيخ الآية الكريمة بتقول من جاء بالحسنة أكمل الآية وكرر مرة أخري القرآن بيقول من جاء بالحسنة أكمل يا شيخ أنت مش حافظ... قلته حافظ بس أقول لا يجزي الا مثلها أو له عشرة أمثلها فقال قول اللي تقوله,فقال أبسط يا عم بكرة الساعة عشرة الصبح تذهب مصر لتقابل الملك,.. أنا اتخضيت أروح أقابل الملك يا خبر أسود ازاي أحنا كنا بنشوف الملك علي بعد كيلو متر كنا بنخاف ليضربونا بالنار ووجدت الصول عبدالبر بيقول لازم تذهب بكرة لقصر عابدين الاشارة جت لينا من مصر بكدة ثم حضرت للقاهرة ودخلت علي ناظر الخاصة الملكية مراد باشا محسن وكان رجلا طيبا فقال لي جلالة الملك سمعك ومعجب بك ونريدك تيجي تسهر معانا في رمضان القادم. وبدأت أقرأ في سهرات القصر الملكي وكان معي وقتها الشيخ عبدالفتاح الشعشاعي وكنت أذهب لبيلا وأرجع أقرأ في القصر الملكي.
وجاءت سهرات القصر الملكي في وقت خلاف بين القصر الملكي والنحاس باشا رئيس الوفد الذي كان ضد الملك وكان الملك يريد أن يجلب شعبية له امام منافسيه من حزب الوفد فقرروا أن يقيموا السهرات الرمضانية ويفتحوا القصر للناس ليفطروا فيه وكانوا يوزعون الاكل علي المنطقة المحيطة بقصر عابدين وبالليل ياتون يستمعون للقرآن ويشربون الشاي والقهوة وكانوا بياخذوا الفناجين معاهم والأواني الخاصة بالاكل, يعني نوع من الدعاية للملك الجديد فاروق كان في هذا الوقت صغيرا ولم تكن قوته ظهرت وللأمانه فاروق كان فيه شيء من التقوي هذه شهادة لله إقولها في حق الرجل كان ينزل في رمضان يقعد جنبنا في منتهي الادب وهو يستمع للقرآن حتي الكرسي اللي كنا قاعدين عليه كان أعلي من كرسيه وكانت أول سهرة رمضانية تقام في قصر عابدين أحييتها أنا والشيخ عبدالفتاح الشعشاعي وقرأت معهم عاما في قصر عابدين وفي العام التالي قرأنا في قصر رأس التين في الاسكندرية لمدة عامين وبعدها أعود للقراءة مرة أخري في القصر.
4 - سفير القراء فى الخارج
يستكمل معنا الشيخ أبو العينين شعيشع سرد مذكراته بعد أن حكي لنا علي مدار الحلقات الماضية نشأته وطريقه للشهرة خاصة أنه عرف طريق النجومية في فترة مبكرة من حياته بعد أن التحق كقاريء بالإذاعة وعمره17 عاما. وأعطي ذلك له فرصة أن يحترف القراءة خارج مصر بعد أن تعاقدت معه إذاعة الشرق الأدني التي يمتلكها الجيش الإنجليزي ومقرها مدينة يافا في فلسطين مما مكنه ان يكون أول قاريء مصري يتلو كتاب الله في المسجد الأقصي بالقدس. وساعدت شهرته في أن يستدعيه القصر الملكي في مصر ليحيي السهرات الرمضانية.
ولكن الشيخ شعيشع لم يستمر كثيرا مع القصر الملكي وذلك لأسباب يوردها في حلقة اليوم قائلا أنا في تلك الفترة كنت بالاضافة للقراءة في رمضان عند الملك كنت متعاقدا للتلاوة في إذاعة الشرق الأدني التابعة للجيش البريطاني في فلسطين. ولكني كنت أحضر قبل رمضان لاحياء سهرات السرايا. ولكنني وجدت بخلا شديدا من القصر في التعامل معنا في الأجر فكنت أنا باخذ من إذاعة الشرق الأدني300 جنيه استرليني في الشهر لأنهم رفعوا أجري.. ولكني وجدت أن القصر الملكي أعطاني في مصر طوال شهر رمضان مائة جنيه في أول عام. أنا قلت يمكن دي أول مرة ويمكن يزودوني شوية السنة القادمة وفي السنة التالية كانت السهرة في قصر رأس التين بالأسكندرية واعطوني مائة وخمسين جنيها مع أني أستأجرت شقة وتحملت مصاريف كثيرة وسهرت سنتين عندهم في الاسكندرية.. ولم يتغير الوضع ولذلك قررت أن أتركهم وأنا في تلك الفترة كنت عاوز أكون نفسي وقلت في بالي أي اللي يخليني أسهر عند الملك وليس معي فلوس خاصة أن أسرتي كانت في رقبتي وخاصة أخوتي البنات أنا زوجتهن وتكلفت بمصاريف تجهيزهن.. ولذلك تركت السهرات الرمضانية في القصر الملكي ولذلك فضلت أن أذهب لفلسطين وأترك سهرات الملك..
ولكني لا أنكر أنني أستفدت واستمتعت بالسهرات الرمضانية في السرايا لأنها كانت عبارة عن مهرجان كبير ولم تكن مقصورة علي حاشية القصر بل كان يحضرها العوام وتبدأ بعد أن يقوم القصر بفتح أبوابه للجماهير للافطار المغرب أو يصرف لها أفطارا وكانت الناس تيجي تأكل وتشرب وتاخذ الفناجين والمعالق اللي يشربوا فيها فكما قلت كان القصر الملكي يستهدف من الليالي الرمضانية ايجاد شعبية للملك في مواجهة شعبية النحاس باشا وكان الملك فاروق يأتي ليحضر بعض الليالي وأذكر واقعة ظريفة تعرض لها الملك أثناء حضوره أحدي الليالي وهو جالس بجوارنا جاء الساقي يوزع حاجات ساقعة وكانوا زمان بيوزعوا حاجة أسمها اسبات ولم تكن القازوزة ولا الليموناتا ظهرت في هذه الفترة.
وكان الساقي أول ما يقدم المشروبات يبدأ بالملك. وفجأة وجدنا الرجل وقع علي الملك بكل المشروبات وكانت الزجاجات مفتوحة والملك لم يتحرك ولم يحرك ساكنا رغم أن كل المشروبات وقعت علي ملابسه. حتي جاء مراد باشا محسن وأحمد باشا حسنين وحسن باشا يوسف ليرفعوا الساقي لأنه أغمي عليه من الخوف بعد أن سقطت الزجاجات علي الملك الرجل نام علي جسم الملك ولم يتحرك حتي رفعوه وقام الملك بعدها وأستأذنا وبدل ملابسه وحضر مرة ثانية ليستأنف الاستماع للقرآن المهم أنني تركت السهرات الرمضانية الملكية في هذه الأثناء بدأت انتشر واحقق شهرة وانتشارا وبدأت تطلبني إذاعات أخري غير الشرق الأدني منها إذاعة القدس ودمشق وكنت أذهب لفلسطين ونقلت الإذاعات هناك لي الحفلات اللي باقرأ فيها سواء في يافا أو القدس وكان نقل الحفلات يتم علي الهواء لكل البلاد. ولكن إذاعة الشرق الأدني توقفت عن البث بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ونقل الانجليز مقرها من يافا إلي طرابلس.
وأتذكر أنه في تلك الفترة تلوت قراءات نادرة لأني كنت في عنفواني كما أن أدوات التسجيل كانت جيدة في تلك الإذاعة وكان لي فيها تراث كبير ولكن ضاع للأسف ولا أعرف عنه شيئا.
ولكن لا أنكر أن إذاعة الشرق الأدني حققت لي نجاحات وشهرة لأنها مهدت لي الطريق أن يعرفني المستمعون في بلاد الشام والعراق, فقرأت في تلك الفترة في تركيا وسوريا. كما أن العائلة الحاكمة في العراق وجهت لي دعوة لأقرأ في مأتم زوجة ملك العراق فكانت في تلك الفترة يحكم العراق ملك وهو من عائلة الحسين وكان جزء من العائلة الهاشمية يحكم العراق والجزء الأخر يحكم الأردن. وذهبت للعراق وكان في استقبالي نوري السعيد رئيس وزراء العراق في تلك الفترة وقرأت أول يوم وعرفت من هناك أن المسجونين في سجن بغداد العمومي نظموا أحتجاجا وأنهم سوف يضربون عن الطعام إذا لم أقرأ لهم لأنهم كانوا يستمعون لي وأنا أقرأ سواء في إذاعة بغداد أو الشرق الأدني, طلبت من رئيس الوزراء أن أذهب إليهم ولأقرأ لهم داخل السجن ولا أريد شيئا. ولكن رئيس الوزراء قال لأ مش معقول دول مجرمين خطرين في السجن العمومي ولا نأمن ماذا يفعلون. فقلت لهم لا تقلق مش معقول أنهم عاوزين يسمعوا قرآن الله ويؤذوا أحدا.. وذهبت إليهم وقرأت لهم في النهار وكنت ملتزما بالقراءة في مأتم زوجة الملك بالليل, والناس أتبسطوا وأعطوني هدية مازلت أحتفظ بها في بيتي حتي الآن عبارة عن سجادة صنع يد وعليها خريطة العراق وأنا معلقها في مدخل بيتي حتي الآن ولأن لها ذكري جميلة معايا لأن الناس عبروا عن حبهم لي رغم أنهم مجرمون أو مذنبون الله أعلم بأحوالهم.
ولي قصص عجيبة مع المجرمين سبحان الله أنا في احدي المرات كنت قادما من ناحية طنطا في قرية أسمها مسير علي ما أتذكر وبعد أن انتهت السهرة كانت معي سيارة لتوصلني طنطا ومنها أرجع للبلد. ورغم أن أصحاب المأتم عرضوا علي المبيت خاصة أن الطرق لم تكن أمانا في تلك الفترة, أنا قلت لهم لا أنا لازم أروح.. وأنا في الطريق ومعي السيارة الأجرة فجأة طلع علينا قطاع طرق وأنا كنت واضعا شالا علي رأسي. أوقف الحراميه السيارة ورفعوا علينا السلاح ونزلنا فقلت لهم انتوا عاوزين مني إيه.. فقالوا هاتوا الفلوس اللي معاكوا. فرديت عليهم ده أجري من قراءة القرآن أنتوا تاخدوه بصفة ايه؟ فقالوا لي انت رجل غلباوي أخرس ومتتكلمش وهات الفلوس من سكات فقلت لهم أنتوا عارفين أنا مين ؟ فأجابوا يعني أبن بارم ديله! لأ أنا القاريء أبو العينين شعيشع بأقرأ في الإذاعة.. فقال لي الحرامية أنت الشيخ أبو العينين شعيشع أتفضل لا مؤاخذة يامولانا أحنا منعرفكش. أنت خفت فقالوا لي متخفش يامولانا اتفضل أقعد معنا بس عاوزينك تقرأ لينا شوية قرآن وتأخذ العشاء معنا قعدت معاهم وقرأت لهم ييجي خمس دقائق كده... وجلست معاهم شوية وحكوا معي وأكلت وبعد ما تسامرنا مع بعض وبعتوا واحدا من الحرامية وصلني لحد طنطا ولم يتركني إلا وأنا بأركب السيارة لبيلا.. أحيانا كثير من الحرامية بيبقوا غلابة..
أنا ليا ذكريات كثيرة عجيبة ومواقف مثلا في أحدي السنوات في أواخر الأربعينيات تم دعوتي لأقرأ في تركيا وذهبت هناك بزيي التقليدي لأني كنت أرتدي طربوشا وأول ما وصلت لتركيا وجدت القنصل المصري يقول لي أنت بتلبس طربوش ده ممنوع في تركيا لبس الطرابيش وهيقبضوا عليك. لأن كمال أتاتورك مانع لبس الطرابيش والنظام عندهم كده فقلت يا خبر أسود أن جاي أقرأ ولا أسجن وافتكرت أني كنت واضعا في جيبي شالا أبيض وقمت ووضعت الشال الأبيض. علي الطربوش ولفيته زي العمة وشكلي كان عامل زي اللي بيبيعوا صابون زمان. ودخلت اسطنبول بهذه الطريقة.
أنا كنت أول قاريء مصري يدعي للقراءة في الخارج وكانت أول مرة أدعي لدمشق, وده غير القراءة لإذاعة الشرق الأدني وأنا كنت بأصنف في هذا الوقت بأني ضمن أفضل عشرة أصوات في مصر وكان علي رأسنا بالطبع الشيخ محمد رفعت وطبعا الشيخ مصطفي إسماعيل وكان معنا عبدالوهاب وصالح عبدالحي وأم كلثوم. ولذلك منذ تلك الأثناء بدأت عدة دول تطلب القراء المصريين لاحياء الليالي سواء في رمضان أو غيره ولذلك أطلق علي البعض سفير القراء المصريين لأني مهدت الطريق لتعرف بلاد المسلمين الصوت المصري في القراءة لأن التلاوة المصرية لها ما يميزها عن باقي تلاوات القرآن بصفة لانجد لها تفسيرا هل ارتبط ذلك بالطريقة المصرية في الكلام أم لأن اللهجة المصرية تتميز عن باقي اللهجات بأنها أكثرها سهولة وقربا من اللغة العربية السليمة لغة القرآن. ولكن بالطبع كانت هناك عوامل 5- مذكرات شيخ القراء أبو العينين شعيشع
سر الصنعة في تجويد القرآن
نعم التجويد المصري للقرآن غير موجود في أي بلد في العالم وانا لا أعرف السر هكذا يبدأ الشيخ ابو العينين شعيشع في تفسيره لتميز قراءة المصريين للقرآن الكريم وهو يسرد لنا مذكراته فيقول لايوجد لدي تفسير معين ولكن هناك عوامل عديدة منها اللسان المصري ينطق اللغة العربية الأقرب للفصحي القريبة من لغة القرآن ومن هنا نجد ان اللسان المصري يستطيع أن يتحكم في الحروف دون باقي اللهجات..
ففي اللغة العادية مثلا لو مصري هيقول ماذا تريد؟ هيقول عاوز ايه؟ ودي أقرب للغة عن شو بدك؟ في اللهجات الأخري السورية أو اللبنانية, ومن هنا هناك سهولة في اللغة المصرية لانها أكثر قربا للغة العربية الفصيحة..وهذا يؤثر في القراءة وحتي الطلعة بتاعتنا لها شكل تاني.. ولذلك نجد أن سر الصنعة في القراءة موجود في مصر وكل دول العالم تطلب قراء مصريين حتي يومنا هذا ومثلا هذا العام وزارة الاوقاف سفرت200 قاريء تجويد لمختلف البلاد الاسلامية وهم يطلبون بالفعل قراء تجويد من مصر ولايطلبون تلاوة, معني هذا أن القرآن المجود يصل لقلوب الناس أكثر من القرآن المرتل.. وحتي القراء السعوديين وأغلبهم أصدقائي يقرآون القرآن اللي نزل عليهم هناك.
ولقدسية المكان لابد أن نحترم قراءتهم لان القرآن المرتل له صلة بنزوله في مكة والمدينة مما يعطي له ميزة من حيث المنشأ أو مكان النزول كما علينا أن نعترف أن صوتهم فيه شيء من الحزن ولكن فيهم ناس القراءة عندهم مفتلعة ويبكون في القراءة, هناك من يقرأ بخشوع وأنا أحب أسمع القرآن بأي طريقة لانه قرآن المولي لابد أن نستمع إليه ونتأمل معانيه.. وبالقطع الأداء المصري في القراءة لاتضاهيه قراءة أخري والعالم كله يعترف بذلك مع التاكيد أن القرآن الكريم يقرأ بأي وسيلة أو طريقة تصل للقلب..ولكن علينا أن نعي الا نقرأ القرآن بطريقة لاتصل لقلوب الناس لانه لايجوز أن أقرأ قرآنا والناس منصرفة عن سماعي..
ونلاحظ أنه إذا قريء القرآن بشكل مرتل عادي لن ينصت لسماعه أحد..ولذلك التجويد مهم عند قراءة القرآن خاصة إذا كان الصوت كويس ومنغما بالنغمات وهي طبيعة وموجودة في القرآن ونحن لم نخترعها وطول تاريخ مصر كان يوجد قراء عظام. القرآن المجود بدأت البلاد العربية والاسلامية تأخذه عنا ويقلدون المصريين لانه القرآن كما تقول الحكمة التي صاغها شيخ الأسلام مصطفي المراغي نزل في مكة والمدينة وطبع في تركيا وقريء في مصر وهي حكمه من قديم الازل ولا توجد أي مشكلة في استخدام النغم في حدود القرآن المضبوط لان القرأن له ضوابط وانا عن نفسي أغني في القرآن ولكن قراءتي كلها خشوع ويظهر فيها أحترام كلام الله والغناء ليس المقصود بحد ذاته ولكن القاريء عليه أن يقول النغمات الربانية الموجودة في القرآن الكريم والمقامات التي يضمها القرآن بالفعل وعلينا أن ندرك أن القراء المصريين لايوجد مثيل لهم في العالم كله ويقول الناس أنه يوجد المصحف المرتل السعودي وهذا طبيعي لان السعودية المكان الذي نزل فيه القرآن هذه نقطة..وقراءتهم فيها نوع من الشجن, ولكن لايوجد أي صوت أخر يضاهيه الصوت المصري وهذا سر موجود من قديم الزمان قبل أن نولد وهو. موجود
كل القراء في تاريخ مصر كانوا يستخدمون المقامات الموسيقية من السيكا والحجاز والنهاوند والبياتي والكرد كل هذه مقامات موسيقية موجودة في القرآن والعجيب أننا لم نكن نعرف أننا نستخدم هذه المقامات وكنا نؤديها بشكل طبيعي, وأفتكر أنني كنت أسأل الشيخ عبد الباسط عبد الصمد أنت بتقرأ بمقام كذا يقول والله انا لا أعرف شيئا أبدا وبأقرا علي البركة وغصب عني أجد نفسي أقرأ هذه الطريقة وهذا شيء رباني..ولكن أنا الآن حزين.
لانني لا أجد قراء مثل العمالقة بتوع زمان وبالقطع يوجد قراء جدد بعضهم بيعجبني ولكن صعب أن يتكرر قاريء آخر مثل العمالقة الشيخ رفعت ومحمود البنا ومصطفي إسماعيل وصديق المنشاوي هؤلاء لن يتكرروا الا بمعجزة من الله يعني لن نجد واحد تاني مثل الشيخ محمد رفعت وده صعب الحدوث لن نجد الشيخ مصطفي إسماعيل أو الشيخ عبد الباسط والمنشاوي لن تجد مثل هؤلاء وتفسيري لهذا يرجع لعوامل كثيرة بداية الجو الملوث يعني أزاي الشيخ اليوم كله يستنشق هواء هباب في حلقة ويقرأ كويس.. الأكل مهم وضروري لن تجد القاريء السليم جدا الا لما يأكل كويس أكل زمان السمنة البلدي والخير كان بيفرق حاليا الفراخ البيضة والمعلبات والسمنة الصناعي لاتخرج لنا شيخا كويس.
وزمان كنا نتباري مين يجيب جواب أكثر من غيره كان فيه قاريء زمان اسمه الشيخ محمد سلامة وكان جبارا والشيخ محمد سلامة لم يكن يسمح لأحد غيره أن يقرأ باستثناء الشيخ أبوالعينين شعيشع مكانش يحب حد غيري.. كانت أول مرة ألتقي به في سهرة حب يظهر قدراته في مواجهتي, وكنا سهرانين معا في مأتم.. بمنطقة بولاق أبو العلا وكانت هذه المنطقة مكان السميعة من الدرجة الاولي ذهبت للمأتم وطلع الشيخ محمد سلامة علي الدكة وقام أبعد المكبر برجله وكان جبارا ـالله يرحمه ـ وقال شيلوا المكبر من أمامي وبدأ يقرأ بدون ميكروفون وكانت بولاق تعد المكان الخاص بمحمد سلامة وكان السميعة بتوعه كثيرين..وأنا شفت المشهد قلت في بالي الرجل ده بيعمل كده ليه بيشيل الميكروفون من أمامي وشكله عاوز يحرجني وأنا لم أكن معروفا في منطقة بولاق أبو العلا فقلت الرجل عاوز يكشفني.. وبعد ماأنهي قال تعالي اقرأ وأظهر همتك.
وأنا طلعت وراء الشيخ محمد سلامة وناديت علي العامل بتاع الميكروفون وقلت له شيل الميكروفون, طبعا أنزحه بتاعة شباب كنت صغيرا جدا وقتها ودخلت أقرأ بدون ميكروفون وقلبت المأتم فرحا, الناس كانت تصرخ ومبسوطة وفرحانه جدا مما يحدث من جمال الصوت والأداء وربنا نصرني وأنا كنت معتادا في البلد علي القراءة بدون ميكروفونات وقلت في بالي ياشيخ سلامة أنا جيلك من البلد وأكل السمن البلدي ومش أحنا بتوع الكهرباء وبعد ما أنتهيت سلمت علي الشيخ محمد سلامة, وقلت أنت كويس, وكان الشيخ سلامة شديدا كان بيحب التحدي, واتذكر أنه كان يتحدي دائما الشيخ علي البنا بتاع التواشيح, وهذا الشيخ الذي علم عبد الوهاب بداية الموسيقي وكان الشيخ سلامة في إحدي الليالي يقول للشيخ علي محمود أمك وأمي الدكه أطلع وانا جاي وراك ونشوف مين هيصمد.. كان الشيخ سلامة الله يرحمه جبار وانا لي نوادر كذلك مع الشيخ علي محمود الكبير أستاذ عبد الوهاب.
وكان الشيخ علي عنده حنطور بحصان وكان ساكن بجواري في العباسية وقال تعالي قبل المغرب ونروح مع بعض في الكارته بتاعتي اللي هي الحنطور وكان الكلام في نهاية الاربعينات ورحت له البيت وركبت معاه الحنطور واحنا ماشيين في شارع رمسيس وكان اسمه الملكة نازلي راح الحصان بتاع العربية جنح وسقطت بينا العربية وانا وهو كنا جوه الكارته. ووجدت الشيخ علي محمود ميتا من الضحك وقلت بتضحك ليه ياشيخ علي أحنا كنا هنموت
فقال يا أبني أنا مش باشوف والحصان مش بيشوف والسواق مش بيشوف وانت المفتح فينا يا شيخ ابو العينين وأخذنا بعضنا ورحنا قرأنا وكانت الناس عند ليالي قراء القرآ